بقلم : آراس مرعيكا
عندما كنا صغاراً، وقبل أن تأخذنا الغربة لأكثر من عقدين، كانت عطلتنا الصيفية تعني شيئاً واحداً… السفر من دمشق إلى قامشلو، إلى بيت جدي في حي جرنك.
بالنسبة لنا، لم تكن قامشلو أكبر من جرنك.
كنا نظن أن هذا الحي هو قلب المدينة، بل المدينة كلها. لم أكن أعلم حينها أنه أحد أقدم أحياء قامشلو.
كل ما كنت أعرفه هو بيت جدي.
وجدي… بشعره الأبيض وبابتسامته الهادئة، وبدراجته الهوائية التي كانت بالنسبة لأهل البيت مرسيدس ذلك الزمن. كان يتحرك بها في أزقة الحي بكل هدوء، وكأن الدنيا لم تعرف بعد زحام السيارات ولا ضجيجها.
وأتذكر الفرن القريب من المنزل.
كنا نستيقظ باكراً، نتسابق لشراء الخبز قبل أن يبرد.
وأتذكر أيضاً تلك الشخصية الأسطورية التي كانت تسكن خيالنا أكثر مما سكنت شوارع الحي.
“دوقو”، لم نكن نعرف من هو، ولم نكن قد رأيناه. بل إن القليل فقط كان يدعي أنه رآه، ومع ذلك كان جميع أطفال جرنك يؤمنون بوجوده وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش.
كان يكفي أن تقول لنا أمهاتنا: “إذا ما سمعتوا الحكي، بنادي دوقو…” حتى يتوقف اللعب فجأة، ويعم الصمت. كنا نعتقد أنه إذا أمسك بأحدنا، فسيختفي من هذا الكوكب إلى الأبد، ولن يراه أحد مرة أخرى.
الغريب أن أحداً لم يكن يعرف شكله، ولا أين يعيش، ولا متى يظهر. لكنه كان حاضراً في كل بيت، وفي كل زقاق، وفي كل محاولة من الأمهات لإعادة أطفالهن إلى المنزل قبل الغروب.
ربما لم يكن “دوقو” موجوداً أصلاً… لكنه كان أحد أشهر الشخصيات، وأقوى رجل لم يره أحد، ومع ذلك خاف منه الجميع.
وفي بداية الشارع، كان هناك دكان صغير، تتدلى على واجهته بعض الآلات الموسيقية. الجميع كانوا يسمونه “مالا مطرب”.
وأتذكر أيضاً “جنو”..لم أكن أعرف اسمه الحقيقي، فالجميع كان يناديه بهذا الاسم.
كان يقضي معظم وقته فوق سطح بيتهم، يعيش في عالم مختلف عن عالمنا. بينما كنا نركض خلف الكرة في الأزقة، كان هو يركض خلف سرب الحمام في السماء.
كانت تربية الحمام هواية لا يحبها كثير من أهالي الحي، بل كان بعضهم يعتبرها مضيعة للوقت، أو سبباً للمشاكل مع الجيران. أما بالنسبة لجنو، فكانت شغفاً لا يمكن لأحد أن ينتزعه منه.
كنا نرفع رؤوسنا كلما سمعنا صفيره المميز. ثم نراه يلوح بعصاه الطويلة، وفي طرفها قطعة قماش بيضاء، يديرها بخفة في الهواء، فتبدأ أسراب الحمام بالدوران فوق الحي، دائرة بعد أخرى، وكأنها ترسم دوائر على سماء جرنك.
وفي كل عصر، كان للحي طقس لا يمكن أن يتكرر اليوم.
بعد أن تنتهي النسوة من أعمال البيت، كانت كل واحدة منهن ترش الماء أمام منزلها، ولا تكتفي بباب بيتها، بل تمتد الرشة إلى نصف الشارع. كانت رائحة التراب المبلل تمتزج بحرارة الصيف، فتشعر أن الحي كله أخذ نفساً عميقاً.
بعدها تبدأ الكراسي البلاستيكية والخشبية بالظهور أمام الأبواب، وتصل صينية الشاي، ثم فناجين القهوة، ثم صحون البزر.
وما إن تجلس أول امرأة، حتى تلتحق بها الثانية والثالثة والرابعة… لتبدأ الجلسة اليومية.
هناك، كانت تحل مشاكل الحي، وتعلن أخبار الخطوبات، وتعرف أسماء المواليد الجدد، ومن اشترى بيتاً، ومن باعه، ومن سافر، ومن عاد، ومن تشاجر مع زوجته، ومن نجح ابنه في المدرسة، ومن رسب. لم تكن هناك إذاعات محلية، ولا مجموعات واتساب، ولا صفحات فيسبوك…
ثم مرت السنوات…
وعندما عدت إلى جرنك في زيارتي الأخيرة، شعرت أنني أمشي في مكان أعرفه… ولا أعرفه في الوقت نفسه.
اختفت معظم البيوت الأرضية التي حفظتها ذاكرتي، وارتفعت مكانها أبنية من عدة طوابق. امتلأت الشوارع بالدكاكين، واصطفت السيارات على جانبي الطريق، حتى بدا أن الحي الذي كان يتنفس بهدوء، صار يلهث مع المدينة.
بحثت بعيني عن ملامح طفولتي بين الإسمنت والزجاج…
ولم أجد منها إلا القليل، لكن شيئاً واحداً بقي كما هو: الأطفال.
ما زالوا يحتلون الشوارع، يركضون خلف كرة مهترئة، ويختلفون على هدف لم يحتسب، ثم يتصالحون بعد دقائق وكأن شيئاً لم يكن. ما زالوا يملؤون الأزقة بالصراخ والضحكات… وحتى بشتائمهم الطفولية التي تطال الأم، والجد، وجد الجد، ثم ينسونها في اللحظة التالية ويعودون إلى اللعب، حينها ابتسمت…
