بقلم : رائد محمد
في الذاكرة السياسية لمنطقة الجزيرة عامة و محافظة الحسكة خاصة ، يبرز مصطلح “قائمة الظل” كأحد أكثر الأدوات دهاءً في إدارة التوازنات خلال ثمانينات و تسعينيات القرن الماضي وفترات أخرى من حكم حزب البعث البائد .
لم تكن هذه القائمة مجرد إجراء انتخابي، بل كانت “هندسة أمنية” دقيقة تهدف إلى ضبط إيقاع التنوع السكاني بما يضمن ولاءً مطلقاً للمركز في دمشق،
وهي ظاهرة نراها اليوم تعود بأقنعة جديدة، مستبدلةً “البعثية التقليدية” بنكهات أيديولوجية هجينة ذات طالع إسلاموي.
حيث كانت هندسة الظل تعبر عن تحالف بين الأمن ورجاله المخلصين من بعض الوجاهات البعثية
لم تكن قائمة الظل معلنة كقائمة “الجبهة الوطنية التقدمية المكونة من عدة أحزاب تدين الولاء لحزب البعث وكانت أحزاب شكلية “، بل كانت تحالفاً غير رسمي يُدار من خلف الستار.
استندت هذه الهندسة إلى ثلاثة ركائز أساسية:
احتواء الحماس العشائري ، عبر توزيع المقاعد لضمان تمثيل كبرى لبعض القبائل العربية (مثل طي، الجبور، شمر، والبقارة)، ليس من باب الديمقراطية، بل لمنع الصراعات البينية وضمان تبعية هذه الكتل للقرار الأمني.
التمثيل الانتقائي (العربي – المسيحي): ركزت القائمة على المكونين العربي والمسيحي كحلفاء تاريخيين للسلطة تحت سقف القومية، وهما يشكلان اقلية ضمن المنطقة الكوردية، مما منح السلطة واجهة من “التعددية الدينية” بينما ظل القرار مركزياً.
الإقصاء الممنهج للكرد:
كان الاستثناء الصريح للمكون الكردي هو السمة الأبرز، رغم ثقلهم الديموغرافي في مدن مثل (قامشلو، ديرك، عامودا، وسري كانيي ، حسكة ، جل آغا ، تربسبي ، كركي لكي الخ ).
استُغل “إحصاء 1962” والتوجس الأمني لحرمان غالبية السكان من حقهم الطبيعي في التمثيل السياسي.
وكانت الفئة (ب) مسرح التنافس الصوري
في تلك الحقبة، كانت الانتخابات تُقسم لفئتين، وكانت “قائمة الظل” تلعب دورها القاتل في الفئة (ب) (المثقفين والتجار). هناك، كان يتنافس “بعثي رسمي” مع “بعثي مستقل” مدعوم بصمت، مما يخلق وهماً بوجود منافسة انتخابية، بينما الحقيقة أن جميع الخيوط تنتهي عند الأصابع ذاتها.
من البعثية إلى “الجهادية” المكياج يتغير والجوهر ثابت.
اليوم، ومع تغير خارطة النفوذ، نشهد ولادة نسخ جديدة من قوائم الظل تابعة للسلطات القائمة، ولكن بتبدلات جوهرية في الشكل:
نكهة “الولاء والبراء” حيث استُبدلت الشعارات القومية والبعثية بأيديولوجيا “الولاء والبراء” ذات الصبغة الإسلامية الجهادية، حيث يُمنح التمثيل لمن يثبت “طاعته” العقائدية قبل السياسية.
المكياج الكردي “المستعار” ، على عكس إقصاء التسعينيات الفج، تعمد السلطات الجديدة اليوم إلى إضافة “مكياج سياسي” عبر إشراك شخصيات كردية.
لكن هؤلاء، في نظر الشارع، ليسوا ممثلين للقضية الكردية أو تطلعات أهل المنطقة، بل هم مجرد “واجهات” تؤدي دوراً مرسوماً لها، ولاءها يتجاوز الحدود والقضية.
أما بالنسبة لتحولات النفوذ الاقتصادي، نجد إن تجار الحسكة وقامشلو كانوا يدعمون القوائم مقابل الاستقرار التجاري، فإن القوى الفاعلة تدعم القوائم الجديدة لشرعنة نفوذها العسكري والاقتصادي الناشئ.
ختاماً ، زمن البعث أنتهى ولكن أدواته وعقلته العروبية الشوفينية تطعمت بصبغة إسلامية ، والحاضر يمثل عصر “الولاءات الأيديولوجية العابرة للمجتمعات”.
إن التشابه بين “ظل البعث” و”ظل الجهادية” يكمن في أن كلاهما يرفض التمثيل الحقيقي النابع من صناديق اقتراع حرة، ويصر على إعادة إنتاج “النخبة التابعة” التي تُجيد التصفيق للسلطة، مهما كان لون رايتها أو لغة خطابها.
بينما تتبدل المسميات من “رفاق” إلى “إخوة”، تبقى مدن الجزيرة السورية تنتظر تمثيلاً حقيقياً لا يحتاج إلى “ظل” ليحتمي به، ولا إلى “مكياج” ليخفي ملامحه الوطنية والقومية الأصيلة من كورد وسريان وآشور وعرب وأرمن وغيرهم .
