بقلم: عبدالوهاب پيراني
ليس كل من اعتلى صومعةً كان راهباً، ولا كل من سكن بيت العزلة كان هارباً، لكن حامد بدرخان (1924-1996) كان حالة استثنائية، رجل جعل من منفاه القسري صومعة فكر، ومن إقامته الجبرية مختبراً شعرياً، ولِد ببيئة كردية ثرية حيث تتقاطع حدود سوريا وتركيا، وشاب تحت وطأة هويات متعددة، فحمل في جعبته ثلاث لغات، وعاش تحت أسماء مستعارة.. حميد أراغون، حامد بدرخان.
هذا المقال محاولة لقراءة نتاجه الشعري في ضوء مسيرته الحياتية المضطربة، وكشف المفارقات التي جعلت من عزلته قبة للإبداع.
لا يمكن فصل شعر حامد بدرخان عن جغرافيته الوجودية، ولِد في قرية “شيا-شيخ الحديد” التي حولها في شعره إلى “صومعة الفكر”، فحول الواقع القاسي إلى أسطورة شعرية، هاجر طفلاً إلى تركيا، فالتحق بالحزب الشيوعي التركي، فسجن، وهرب من سجنه وعاد إلى قريته الأصلية لاجئاً وفاراً من السلطات التركية، ليجد لاحقاً في دمشق ملاذاً ثقافياً حيث تبناه رعاية عائلة الأمير جلادت بدرخان ومنحته لقب حامد بدرخان.
في قصيدته “أنا من سلالة الصخور” يكتب الحجر بدمه:
حينما ولدت كان أبي يبكي
وكانت أمّي ضاحكة
للسحاب الطائر، للسجان الحائر
هنا يختزل الشاعر معادلة وجوده ..لأب يبكي لأنه يرزق بمولود جديد في المنفى، والأم تضحك لأن ابنها عصي على القبض عليه كالسحاب، إنها معادلة الصومعة.. عزلة قسرية، لكنها تنتج ضحكة التحدي.
ترك بدرخان 29 ديواناً: خمسة عشر بالتركية، وأحد عشر بالعربية، وديوان بالكردية. هو شاعر كردي من سوريا، وعاش في تركيا ثم عاد ليكتب بالعربية، وكأنه يعترف بسخرية المصير وحظر لفته من التداول “لا لغة أم لي”، حيث تعمد وكثيرا الكتابة بهشاشة لغوية مقصودة في إشارة إلى بعده عن الكتابة بلغته الكردية الأم، وكأنه يقول: “أنا غريب في هذه اللغة أيضاً، لذلك نجد تراكيب شعرية غير مألوفة، وتكرارات، وانزلاقات نحو الفرادة. وهو يكتب قائلاً:
الدم في كل مكان
كعصارة البرتقال في فم الكبار
مثل حليب في ثدي الصغار
إنه يخلق صوراً بديعة بلغة متمردة، وهذا العيب الظاهري يتحول إلى ميزة فريدة..إنها لغة رجل لم يجد وطناً لغوياً، فصنع وطناً خاصاً به داخل صومعته.
في شعره، يتكرر اسم “تامارا” كالنبض، نها ليست مجرد حبيبة، بل تحولت إلى:
· الوطن الضائع (كردستان، تركيا، سوريا ).
· الحزب الشيوعي الذي خانه أو خانه.
· الموت نفسه.
يقول في أحد نصوصه:
تامارا، لا تبكي
فالبكاء صلاة المذنبين
ونحن لم نخطئ
بل كان خطؤنا هو مجيئنا لهذا العالم
إنه يقدس الحياة ليحول طريقة حياته إلى نقد وجودي ساخر، فالذنب الأوحد هو الولادة ذاتها.
ففي قصيدة “الطريق المعتم” يأمرها بعنف العشاق المحاصرين:
لا تضحكي، فهناك من يبكي النهار ليلاً
لا ترفعي صوتك غناءً، فالموتى نائمون
تامارا هنا هي الشاعر نفسه، يخاطبها ليحاصر طاقته الحيوية. في بيت العزلة، حتى الأنثى تُسجَن معه.
رغم كونه شاعراً كردياً، نراه يكتب:
أنا من الهنود الحمر، أنا من فلسطين
أنا من ديرسم، أنا من مهاباد
أنا من بريتوريا، من تشيلي
هذه قائمة تضامن عالمية نادرة في الشعر الكردي التقليدي، تشبه شعر ناظم حكمت (معلمه وصديقه). لكن حامد بدرخان يضيف نبرته الخاصة:
لا أريد أن أعيش على حساب الآخرين
أريد أن أموت بريئاً، وليس قاتلاً
هنا يخرج من دائرة الضحية إلى دائرة الإنسان، وهذا ما يمنحه صفة “الشاعر العالمي” رغم محدودية انتشاره.
في وصيته الشعرية، يكتب:
لا أريد منكم أن تزوروا قبري
لأن كل وقفة أمام الأحجار المرقمة ضياع للزمن
ويضيف بسخرية الفلاسفة:
اذكروني في سعيكم نحو الهدف
وإن هذا التذكير يقلل من سرعتكم
المقبرة المؤسساتية – بكل طقوسها – تصبح عائقاً أمام الحركة، هو يريد أن ينسى جسده لتذكر أفعاله. وقد تحقق ذلك جزئياً، حيث دُفن في قريته شيخ الحديد شيا، واستطاعت ملهمته “نازلي خليل” أن تحافظ على نصوصه وطباعتها، فأقامت له قبراً من حبر لا من حجر، قبراً يليق بأمير صومعة الفكر.
عانى بدرخان السجن في أنقرة، فظهر في شعره صورتان متكررتان: القفص والجدران. لكنه لم يبكِ، بل غنّى:
فأغني أغانٍ موسيقاها الدموع
وهكذا تحول القيد إلى إيقاع، وتحول السجن إلى استديو تسجيل صامت، في عزلته القصوى، كان الشعر هو النافذة الوحيدة التي تطل على العالم.
لم يحظى حامد بدرخان بانتشار واسع، رغم أن ديوانه الأول “على دروب آسيا” صدر عام 1983. ربما كان بسبب عزلته أو انشغاله بالسياسة.
ألتقيت به عام 1993 في مدينة عفرين، وفي بيته بقرية شيا، رأيته وسمعته يلقي الشعر بالكردية على منبر مهرجان الشعر الكردي الثالث، كان أنيقاً، ذا كاريزما خاصة، طافحاً بأسماء الشعر من الزمن الجميل.
واليوم، بعد ثلاثين عاماً من رحيله، لا يزال هذا الأمير – أمير صومعة الفكر والشعر – ينتظر من يوقظه من رقاده النقدي. وكأنه يهمس في آذاننا من جديد:
الزمن محدود…
مروا في طريقكم
في حضرة الموتى
وأيقظوهم من رقادهم
شاركوهم نخب الحب.
