سوريا والعراق، بصورتهما السياسية المعاصرة، دولتان تشكّلتا في سياق التحولات الكبرى التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية وترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، واستقرت حدودهما بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت اتفاقية سايكس–بيكو إحدى المحطات الأساسية في هذا السياق. ووفقاً لطبيعة النظام الدولي الذي نشأ آنذاك، لم تكن القضية الكردية شأناً داخلياً محضاً لسوريا والعراق، اللذين أُلحقت بهما أجزاء من الجغرافيا الكردستانية، بل كانت، ولا تزال، قضية متشابكة مع التوازنات الإقليمية والدولية.
أما إيران وتركيا، بوصفهما وريثتين لإمبراطوريتين، فقد امتلكتا هامشاً أكبر في التعاطي مع القضية الكردية، لكن كلاً منهما بقي أسير النظام العالمي نفسه.
وتعزّز تجارب تركيا وإيران والعراق وسوريا، خلال القرن المنصرم، هذه القراءة لمجمل القضية الكردية في الشرق الأوسط.
إن «نداء السلام والمجتمع الديمقراطي» الذي أطلقه كبير المفاوضين الكرد عبد الله أوجلان فتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن تؤسس لمسار مختلف في معالجة القضية الكردية في تركيا والشرق الأوسط، يقوم على الانتقال من منطق الصراع المسلح إلى البحث عن أسس حل سياسي وديمقراطي.
وفي السياق ذاته، يمكن النظر إلى مسار المفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطة الجديدة في دمشق باعتباره مساراً موازياً، ومتأثراً إلى حد بعيد بالتحولات الأوسع التي تشهدها القضية الكردية في المنطقة، وفي مقدمتها المسار بين أوجلان والدولة التركية؛ أي تركيا بوصفها دولة ومؤسسات، لا باعتبار أن المسألة مرتبطة بالحزب الحاكم وحده.
نحن نعيش مرحلة تغيير، سواء قبلنا بذلك أم رفضناه، وسواء استطعنا فهم ما يجري أم عجزنا عن إدراك أبعاده كاملة.
فعندما تتغير استراتيجيات الصراع والحل، لا بد أن تتغير الأدوات أيضاً.
وحجم التحول الجاري كبير إلى درجة تجعل الوصول إلى يقين بشأن نتائجه أمراً بالغ الصعوبة. ولا أدّعي هنا أنني قادر على استيعاب جميع أبعاد هذا التغيير أو التنبؤ بالشكل النهائي الذي ستستقر عليه المنطقة بعد سنوات من التحولات والتسويات.
لكن ما أريد قوله باختصار هو أن مرحلة امتدت قرابة قرن، منذ ترتيبات ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وخروج الكرد من المعادلات الرسمية التي رسمت حدود المنطقة، تبدو اليوم وكأنها تقترب من نهايتها.
يدخل الكرد اليوم مرحلة مختلفة في علاقتهم بالنظامين الإقليمي والدولي الآخذين في التشكل، سواء عبر مسار السلام الكردي–التركي، أو من خلال التحولات والصراعات الإقليمية والدولية المحيطة بإيران وسوريا والعراق وتركيا.
وبعبارة مختصرة، ينتقل الكرد من موقع الثوار في مواجهة النظام العالمي الذي أقصاهم، إلى موقع جزء من النظام الجديد الذي لا يزال قيد التشكل؛ أي من خارجين عن «القانون» إلى أصحاب حضور رسمي.
لكن التحولات الخارجية وحدها لا تكفي.
ثمة عوامل داخلية شديدة الأهمية أعتقد أننا نغفل عنها، أو أن القوى المتحكمة بالمشهد لم تستطع، حتى الآن، تغييرها. والمشكلة الجوهرية هنا بسيطة وقاسية في آن واحد:
المقدمات ذاتها ستقود، في الغالب، إلى النتائج ذاتها.
عسكرياً، بدأ التغيير بالفعل، وبدأت معه تتغير المقدمات من خلال التوجه نحو إعادة هيكلة قوات سوريا الديمقراطية ودمج تشكيلاتها ضمن مؤسسات الدولة والجيش السوري.
أما سياسياً، فما تزال الحركة السياسية الكردية تعاني حالة من التخبط، مع قصور واضح في إدراك حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها في هذه المرحلة الانتقالية شديدة الحساسية.
إنها مرحلة تشبه ولادة قيصرية عسيرة؛ ولادة لا تحتمل الكثير من الأخطاء، لأن سوء إدارتها قد يجعل الخسارة أكبر بكثير من مجرد خسارة موقع سياسي أو إداري عابر.
أما في المجالين الإداري والخدمي، فالمشكلة أكثر وضوحاً وإلحاحاً.
هناك إخفاقات كبيرة، وما يزال يجري، في حالات كثيرة، إعادة تدوير الأدوات والأساليب والشخصيات ذاتها التي ارتبطت بالفساد الإداري وسوء الأداء الخدمي. وهي، في جوهرها، المقدمات نفسها التي تراكمت منذ عام 2014 وصولاً إلى مرحلة الانحسار الكبير.
ولذلك، فإن التغيير لا يمكن أن يبقى عسكرياً أو سياسياً فقط، بل لا بد أن يصل إلى الحقل الإداري والخدمي وآليات الحكم وإدارة الموارد واختيار الكفاءات.
المؤسف أننا، حتى الآن، ما نزال نعيد إنتاج المقدمات الفاشلة ذاتها، ولا سيما من خلال اعتماد منطق الولاء بدلاً من الكفاءة والمساءلة.
وهنا يظهر فارق جوهري وخطير.
فمنذ تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014، كان معيار الولاء مرتبطاً، إلى حد بعيد، بالحالة الأيديولوجية والتنظيمية. لكن مع تعاظم النفوذ واتساع المؤسسات وتزايد الموارد، تحوّل جزء من الفريق الإداري الموالي إلى مراكز نفوذ، ثم نشأت شبكات ومصالح ولوبيات ارتبط بعضها بالفساد وسوء الإدارة.
والأكثر خطورة أن إعادة هيكلة المؤسسات أو دمجها، من دون تغيير حقيقي في معايير اختيار المسؤولين وآليات الرقابة والمحاسبة، قد تؤدي ببساطة إلى إعادة تدوير هذه الشبكات نفسها داخل المناصب والهياكل الجديدة.
وهنا تكمن المعضلة:
لا معنى لتغيير أسماء المؤسسات إذا بقيت آليات إدارتها كما هي، ولا معنى للانتقال السياسي إذا انتقلت معه أدوات الفشل ذاتها من مرحلة إلى أخرى.
نحن أمام مرحلة انتقالية وتحول كبير لا نملك وحدنا قرار إيقافه أو رفضه. لقد أصبحت المنطقة بأسرها جزءاً من عملية إعادة تشكيل أوسع، والكرد في قلب هذه التحولات، لا على هامشها كما كانوا في مراحل سابقة.
التغيير، بهذا المعنى، قدرٌ لا بد منه.
