لم تعد حارات قامشلو المكتظة بحاجة إلى منبهات لتستيقظ، فهدير العوادم الممزقة وطيش الاستعراضات الكفيل بزلزلة طمأنينة المنازل، بات جزءاً من تفاصيل اليوم.
لكن خلف هذا الضجيج المزعج، تكبر كرة ثلج من الأزمات المتشابكة؛ من أسرّة المشافي التي تضيق بضحايا الحوادث اليومية إلى قاعات المحاكم والأعراف العشائرية التي تفرض تعويضات مجحفة بحق أصحاب السيارات، وصولاً إلى لقمة العيش المهددة لآلاف العائلات التي تعتمد على الدراجة كوسيلة نقل أو مصدر رزق وحيد.
شوارع بلا رقابة: حلبات استعراض تقلق سكينة المنازل
يتجلى الوجه المزعج والمخيف لهذه الظاهرة في لجوء العديد من المراهقين والشباب إلى تحويل الحارات السكنية الضيقة إلى حلبات للاستعراض.
فلا يقتصر الأمر على الأصوات الصاخبة للعوادم المعدلة، بل يتعداه إلى القيام بحركات خطيرة مثل رفع العجلة الأمامية للدراجة (التشحيط والترفيع) في وسط الشوارع المكتظة بالأطفال والمارة.
هذا السلوك الرعن يمر في كثير من الأحيان دون محاسبة رادعة أو ضبط حازم داخل الأحياء الفرعية، مما يزلزل طمأنينة المنازل ويحرم كبار السن والمرضى من الراحة.
ثمن الفوضى: إصابات تنهك القطاع الطبي وأعراف مرورية تقلب الموازين
لا تتوقف أزمة الدراجات النارية عند حدود التلوث السمعي، بل تمتد لتشكل عبئاً ثقيلاً ومستنزفاً للقطاع الطبي في المدينة.
حيث تستقبل أقسام الإسعاف والطوارئ في مشافي قامشلو بشكل يومي عشرات الحالات الناتجة عن حوادث السير التي تكون الدراجات طرفاً رئيسياً فيها، وهي حوادث تفرز إصابات بليغة وعاهات مستديمة تنهك الكوادر الطبية وتستنزف المستلزمات الإسعافية.
من جهة أخرى، يبرز تعقيد قانوني واجتماعي كبير عند وقوع هذه الحوادث؛ فوفقاً للأعراف وقواعد السير السائدة، غالباً ما تُحمل المسؤولية المالية والتعويضات على المركبة الأكبر حجماً كالسيارات، انطلاقاً من قاعدة أن “المركبة الصغيرة هي الأكثر تضرراً”.
هذا الواقع يفرز غبناً كبيراً بحق أصحاب السيارات؛ إذ يجد السائق الملتزم نفسه مجبراً على دفع تعويضات ضخمة نتيجة حادث تسبب به مراهق أرعن يقود دراجة غير مرخصة وعكس السير، ممّا يحول قاعدة حماية الطرف الأضعف إلى ثغرة قانونية تشجع على الاستهتار وتضيع فيها الحقوق.
على عجلتين تأتي لقمة العيش: عمال التوصيل وتحدي الحظر في قامشلو
على الجانب الآخر من المشهد، لا يمكن إغلاق العين عن واقع اقتصادي مرير يفرض نفسه بقوة؛ فالدراجة النارية تمثل للعديد من العائلات في قامشلو وسيلة النقل الأساسية والوحيدة والأقل تكلفة في ظل غلاء المعيشة وأزمة المواصلات.
والأهم من ذلك، أنها تشكل مصدر الرزق الوحيد وقوت اليوم لآلاف الشباب والعاملين في قطاع التوصيل (الدليفري) ونقل البضائع.
هؤلاء السائقون يواجهون حر الصيف وبرد الشتاء لتأمين لقمة عيش كريمة لعائلاتهم، وأي حظر كلي وشامل يقع كالصاعقة على كاهلهم ويهدد استقرارهم المادي.
خارطة طريق للإنقاذ: بنود تنظيمية لإنهاء الاستهتار وإعادة الانضباط للشوارع
إن مواجهة هذه الأزمة المتفاقمة لا تكمن في فرض المنع المطلق الذي يقطع أرزاق العائلات، بل في الانتقال من عشوائية الحظر الشامل إلى التطبيق الذكي والصارم للقانون، عبر تمييز واضح بين “المستعرض الطائش” و”العامل المكافح”.
ولتحقيق توازن حقيقي، يُقترح العمل على حزمة التوصيات التالية:
1- تفعيل رخص العمل الذكية (سجل الدليفري): إنشاء قاعدة بيانات رسمية بالتنسيق بين مديرية المرور ولجان الأحياء لتسجيل دراجات التوصيل والنقل، ومنح السائقين النظاميين بطاقات تعريفية تسمح لهم بالتجوال بشرط خلو سجلهم من المخالفات.
2- الفحص الفني الإلزامي للعوادم (الكتم الصوتي): اشتراط تركيب عوادم صامتة كشرط أساسي لمنح رخصة السير الاستثنائية لعمال التوصيل، مع فرض عقوبات صارمة على كل من يقوم بتعديل العادم لإصدار الضجيج.
3- تحديد نطاقات زرقاء وأوقات محظورة: منع تجوال كافة أنواع الدراجات النارية في الأحياء السكنية الضيقة والمكتظة بعد الساعة العاشرة ليلاً إلا للحالات الإسعافية الطارئة، وتوجيه حركات التوصيل المتأخرة عبر الشوارع الرئيسية المحيطة.
4- تشديد العقوبات على استعراضات المراهقين: ملاحقة المراهقين الذين يمارسون هواية رفع العجلة الأمامية وسط الحارات، وتعديل العقوبة لتشمل حجز الدراجة نهائياً وتغريم أولياء أمورهم بمبالغ رادعة لضمان رقابة عائلية.
5- تعديل قواعد المسؤولية في حوادث السير: تحديث معايير التحكيم المروري بحيث يتم تحديد المخطئ بناءً على المخالفة القانونية المرتكبة (مثل السير عكس الاتجاه أو عدم حيازة رخصة) وليس بناءً على حجم المركبة، حمايةً لأصحاب السيارات من الابتزاز والتعويضات غير العادلة.
6-تفعيل دور لجان الأحياء في الرقابة الشعبية: تمكين هذه اللجان من رصد المخالفات المتكررة داخل الحارات الفرعية، ورفع تقارير دورية بأسماء أو أرقام الدراجات المخالفة لقوى الأمن الداخلي لضمان ملاحقة المستهترين الذين يتوارون عن أعين الدوريات الرئيسية.
نحو أحياء آمنة وهادئة للجميع
إن إنقاذ أحياء قامشلو من هذا النزيف المستمر—سواء كان نزيفاً طبياً في ردهات المشافي، أو غبناً قانونياً يقع على عاتق أصحاب السيارات، أو تلوثاً سمعياً يخترق جدران المنازل—لا يمكن أن يتحقق برفع شعارات الحظر الكلي الذي يهدد أرزاق وعائلات سائقي الدليفري الكادحين.
إن نجاح السكينة العامة يكمن في إيجاد معادلة تنظيمية ذكية وعادلة؛ حزم أمني وقانوني لا يقطع الأرزاق، وتطبيق مرن يعيد هيبة الشارع ويحمي حقوق الجميع، لتبقى قامشلو مدينة آمنة وهادئة لأبنائها.
هورين حسن
