Close Menu
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    Kurdistan Syria – Syria for All
    • الرئيسية
    • أخبار
      • أخبار عالمية
      • أخبار محلية
    • آراء ومقالات
    • استطلاعات وتصريحات
    • المجتمع
    • المرأة
    • الثقافة و الفن
      • قصة
      • شعر
      • فن
    • تقارير وريبورتاجات
    • لقاءات
    • كاريكاتير
    • من نحن
    Kurdistan Syria – Syria for All
    الرئيسية » مئوية السينما الكوردية..رحلة فنٍ من كوردستان الحمراء إلى روج آفا (1926 – 2026)
    آراء ومقالات

    مئوية السينما الكوردية..رحلة فنٍ من كوردستان الحمراء إلى روج آفا (1926 – 2026)

    22 أغسطس، 2026آخر تحديث:22 أغسطس، 202614 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    بقلم : عبدالوهاب پيراني استاذ محاضر في المعهد العالي للفن

    منذ أن أطلّ الأخوان لوميير على العالم بعرضهما الأول في باريس عام 1895، لم يكن أحد يتخيل أن تلك الصور المتحركة الصامتة، التي أذهلت الجمهور بمشهد قطار يندفع نحوهم، ستتحول إلى أحد أعظم وسائل التعبير الإنساني، ففي لحظة سحرية، استطاعت السينما أن تأسر القلوب والعقول، وأن تصبح مرآة تعكس وجع البشرية وأحلامها، وأن تمنح المشاهد فرصة العيش في عوالم متعددة، والارتحال عبر الأزمنة والأمكنة دون أن يغادر مقعده. 

    لقد أضافت السينما بعداً جديداً للوجود الإنساني، فصارت الفضاء الحي الذي تلتقي فيه الذاكرة بالخيال، والحقيقة بالحلم، والفرد بالجماعة، إنها الفن السابع الذي أتى بعد العمارة والرسم والنحت والموسيقى والرقص، والشعر، لكنها استطاعت أن تحتوي كل هذه الفنون في آن واحد، وأن تخلق لغة بصرية عالمية تتجاوز حدود الكلمات والقارات. 

    ومنذ تلك البدايات المبكرة، لم تكن السينما مجرد وسيلة ترفيه زائلة، بل تحولت إلى أداة فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي، وإلى سلاح ناعم يروي تاريخ الأمم ويخلق هوياتها، وإلى نافذة يطل منها الشعوب المقهورة على العالم ليسمعوا أصواتهم ويروا صورهم.

    مع بزوغ فجر السينما في أوروبا، لم تتأخر رياح هذا الفن السحري عن الوصول إلى الشرق الأوسط، حيث وجدت في مدن القاهرة والإسكندرية وبيروت ودمشق وبغداد وإسطنبول أرضاً خصبة لنموها. ففي مصر، تأسست أول استوديوهات الإنتاج السينمائي، وبرزت صناعة الأفلام كواحدة من أهم الصناعات الثقافية في المنطقة، وفي تركيا، انطلقت السينما مبكراً لتكون جزءاً من المشروع التحديثي للدولة التركية العثمانية ثم الجمهورية التركية الجديدة، وفي إيران، وجدت السينما طريقها إلى قلوب الجمهور عبر الأفلام التي مزجت بين التراث الفارسي والحداثة الغربية، ومع تطور هذه السينمات الوطنية، كان للكرد حضورهم المميز، وإن ظل حضوراً هامشياً في كثير من الأحيان، أو حضوراً في الظل يساهم في إغناء المشهد السينمائي دون أن يُنسب إليهم دائماً. ففي السينما العربية، ترك المخرجون والممثلون الكورد بصمات واضحة، من خلال أدوارهم البارزة في الأفلام المصرية والسورية والعراقية، وفي السينما التركية، كان للكرد حضور لافت منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث برز ممثلون ومخرجون من أصول كردية قدموا أعمالاً خالدة، بعضها تناول قضايا الكورد بشكل علني، والبعض الآخر صُنع ضمن إطار السينما التركية السائدة، وفي السينما الفارسية، لعب الكورد دوراً مهماً في إثراء المشهد السينمائي الإيراني، سواء كممثلين أو كمخرجين أو ككتّاب سيناريو، مستفيدين من غنى التراث الكوردي وقصصه. لكن كل هذه المشاركات، رغم قيمتها، بقيت منقوصة، لأنها كانت تتم ضمن سياقات وطنية لا تعترف بالهوية الكوردية كلغتها وثقافتها المميزة، مما جعل الكورد يبحثون عن سينما خاصة بهم، تعكس همومهم وتاريخهم بلغتهم وبصوتهم الخاص.

    في هذا السياق، كان للسينما الكوردية رحلتها الفريدة التي بدأت في قلب القوقاز، وتحديداً في أرمينيا السوفيتية التي تأسست كجمهورية سوفيتية في العام 1920، حيث وفرت السياسات البلشفية نسبياً مناخاً لتعبير القوميات عن هوياتها. 

    في السياق التاريخي الذي أعقب الثورة البلشفية، وفي إطار الحل اللينيني للمسألة القومية، أقر فلاديمير لينين إنشاء منطقة حكم ذاتي كردية ضمن جمهورية أذربيجان السوفيتية. وفي السابع من تموز عام 1923، صدر القرار التاريخي بإقامة “كردستان الحمراء” (Kurdistana Sor)، وهي جمهورية ذاتية الحكم تابعة لحكومة أذربيجان، امتدت مساحتها نحو 6210 كيلومترات مربعة، وكانت مدينة لاتشين عاصمة لها، وبلغ عدد سكانها عام 1926 حوالي 51,426 نسمة. في تلك البقعة من الأرض، في قلب القوقاز، ولدت بذور السينما الكوردية. فقد وفّر المناخ السياسي والثقافي الذي أتاحته ثورة أكتوبر فرصة التعبير عن هويتهم، فكانت السينما إحدى تلك الوسائل. لكن سرعان ما تحوّل الحلم إلى مأساة، إذ أصدر ستالين عام 1929 قراراً بإلغاء كردستان الحمراء، ما أدى إلى تشريد الكورد وتفريقهم ضمن جمهوريات الاتحاد السوفيتي، في مشهد تراجيدي اختصر معاناة شعب بأكمله.

    في عام 1926، وقبل أن يُلغى الحكم الذاتي بثلاث سنوات فقط، تم إنتاج وتصوير أول فيلم كردي سينمائي حمل اسم “زاريه” (Zarê). جاء هذا العمل السينمائي الصامت من إخراج المخرج الأرمني هامو بيك نازاريان أحد أبرز رواد السينما الأرمينية ومؤسسها، وأنتجته شركة “أرمنكينو”  استند سيناريو الفيلم إلى القصة القصيرة للكاتب الأرمني هاكوب غازاريان، التي تحمل عنوان “مصير زاري”. 

    يعد فيلم “زاريه” أول فيلم  مخصص للثقافة الكوردية. تدور أحداثه في قرية إيزيدية قبل الثورة البلشفية بقليل، ويروي قصة حب بين الفتاة “زاريه” والراعي “سيدو”، مسلطاً الضوء على الظلم الاجتماعي واستغلال السلطة الدينية والإقطاعية، لكن أهمية الفيلم تتجاوز قصته العاطفية، فهو يعد وثيقة بصرية استثنائية للحياة اليومية للكرد، مسجلاً تفاصيل عاداتهم وتقاليدهم وأسلوب حياتهم في عشرينيات القرن الماضي. 

    في سبعينيات القرن الماضي، جرى تحويل الفيلم من نسخته الصامتة إلى نسخة ناطقة، بفضل جهود الباحث الكوردي جاسم جليلي والموسيقية جميلة جليلي. وفي عام 2011، عُرض الفيلم للمرة الأولى في تركيا ضمن مهرجان إسطنبول السينمائي، ليعود إلى الواجهة بعد عقود من النسيان.

    لم تقتصر تجربة السينما الكوردية في الاتحاد السوفيتي على فيلم “زاريه” فقط، بل شهدت العقود التالية إنتاج عدد من الأفلام الوثائقية التي تناولت حياة الأكراد في ظل النظام السوفيتي، وإن كانت تحمل في طياتها أغراضاً دعائية. من أبرز هذه الأفلام: فيلم “أكراد أرمينيا السوفيتية” (1959) الذي أنتجته التلفزة الأرمنية وتناول واقع الأكراد في أرمينيا وما أجراه العصر السوفيتي من تغيير في حياتهم، وصُوّر الفيلم لأغراض دعائية خاصة مع عودة الثوار الكورد بقيادة الملا مصطفى البارزاني من الاتحاد السوفيتي إلى العراق عام 1959، وفيلم “نحن أمميون” (1972) القصير الذي أنتجته تلفزة جورجيا وتناول مساهمة الكورد في إحدى العروض الاحتفالية السوفيتية، وفيلم “نحن الكورد” (1981) الوثائقي الذي عرض مساهمة الأكراد في الحرب السوفيتية العظمى ضد النازية وتضمن مقابلات مع شخصيات كردية إضافة إلى تقرير عن المسرح الكوردي في جورجيا، وفيلم “كردستان في النيران” الوثائقي الطويل الذي تناول حياة الشعب الكوردي في العراق وإيران والاتحاد السوفيتي، وفيلم وثائقي عن الكورد في أرمينيا (1947) من أرشيف التلفزيون الهولندي. رغم هذه الإنتاجات، يلاحظ أن السينما الكوردية في الاتحاد السوفيتي ظلت محدودة، إذ لم يُصور عن الأكراد الكثير باستثناء هذه الأفلام القليلة، وكان معظمها يخضع للخطاب الدعائي للدولة السوفيتية.

    بينما كانت السينما الكوردية تخطو خطواتها الأولى في القوقاز، كان المشهد في سوريا مختلفاً تماماً. فمع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، بدأت سياسات ممنهجة لقمع الهوية الكوردية وطمسها. لم يكتفِ النظام بمنع اللغة الكوردية في المؤسسات الرسمية والمدارس، بل امتد القمع ليشمل كل مظاهر الثقافة الكوردية، بما في ذلك السينما، كانت دور السينما في المناطق الكوردية قليلة ومتراجعة، وأبرزها تلك التي كانت موجودة في سنوات 1960 و1980.

    وفي بحثنا عن جذور السينما وعلاقتها بالشعب الكوردي تحتفظ وتختزن الذاكرة الكوردية حدثاً مأساوياً لا يُنسى، ففي 13 تشرين الثاني عام 1960، وقع حريق مروع في دار السينما(سينما شهرزاد) في مدينة عامودا، راح ضحيته أكثر من 283 طفلاً كردياً، جميعهم من تلامذة المرحلة الابتدائية. تصف العديد من المصادر الكوردية الحادثة بأنها “مجزرة” وليست مجرد حريق عرضي، مستندةً إلى ظروف غير طبيعية أحاطت بها وإلى تقصير متعمد في إنقاذ الأرواح. 

    في ظل هذه السياسات القمعية، كان أي نشاط سينمائي كردي يتم في الخفاء، بعيداً عن أنظار السلطات. لم تكن هناك مؤسسات سينمائية، ولا أكاديميات، ولا إنتاج أفلام باللغة الكوردية، وإنما السينما الكوردية في سوريا كانت مجرد حلم يؤجل، وشغف يختبئ خلف الستار، في انتظار لحظة الحرية.

    مع انطلاق ثورة 19 تموز في روج افا إبان الثورة السورية انفتحت آفاق جديدة للإبداع الفني والثقافي، فالثورة لم تكن مجرد تحول سياسي، بل كانت نهضة شاملة طالت كل مجالات الحياة، ومنها الفن والسينما.

    انتعشت حركة السينما بشكل ملحوظ في مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا بعد ثورة 19 تموز، من خلال ظهور العديد من المحاولات والتجارب في هذا المجال، هذه النهضة لم تأت من فراغ، بل كانت ثمرة نضال طويل ورغبة عميقة في التعبير عن الهوية والثقافة بعد عقود من القمع. 

    في 14 تموز 2015، وفي مدينة الدرباسية، تأسست أول مؤسسة سينمائية في روج آفا باسم “كومين فيلم روج آفا” (Komîna Fîlma Rojava). حملت المؤسسة صفة “كومين” انسجاماً مع بداية تأسيس الكومينات والمجالس، و سعت المؤسسة إلى تأسيس وتطوير حركة السينما في المنطقة، وتجسيد قصص الثورة وتقديمها على شكل مواد سينمائية، وانطلاقاً من إيمانها بأن السينما جزء أساسي من إعادة بناء المعنى في المجتمع، تتبنى المؤسسة منهجية “الواقعية الثورية”، التي لا تقتصر على كشف الواقع الحالي، بل تعيد بناء واقع الممكن وتخلق إمكانية تخيل ما هو غير حاضر بعد. عملت المؤسسة على تنظيم دورات تدريبية لمجموعات من عشاق الفن السينمائي، وقد التحق بالتدريب أشخاص ذوو تجربة قليلة جداً، لكن بسبب حبهم وتعلقهم بهذا المجال استطاعوا التأقلم والتجاوب في هذا العمل.

    لم يقتصر النهوض بالسينما على الإنتاج فقط، بل امتد ليشمل التعليم الأكاديمي والتأهيل المهني. في خطوة تعتبر الأولى من نوعها في إقليم شمال وشرق سوريا، افتُتح في 17 تشرين الأول 2024 المعهد العالي للفنون في مدينة ديريك، بمبادرة من حركة “ميزوبوتاميا” للثقافة والفن، بالتعاون مع هيئة الثقافة والفن وجامعة روج آفا. 

    يضم المعهد أقساماً أساسية: الموسيقا، والمسرح، والسينما، والرسم، ومدة الدراسة فيه ثلاثة أعوام، تقسم ما بين النظري والعملي. بلغ عدد الطلاب في الدفعة الأولى حوالي 60 طالباً من كافة المناطق الكوردية، كما افتُتح في 29 تشرين الثاني 2024 معهد “الهلال الذهبي” العالي للفنون في مدينة الحسكة، بهدف تنمية المواهب الفنية للمرأة، ويضم المعهد أقساماً متنوعة تشمل الرسم، والنحت، والموسيقا، والمسرح، والسينما. الدراسة في كلا المعهدين باللغة الكوردية، مما يمثل نقلة نوعية في تعليم الفنون بعد عقود من الحرمان.

    تتجاوز أهمية هذه الأكاديميات مجرد منح الشهادات الأكاديمية؛ فهي تشكل رافداً حيوياً واستراتيجياً لحركة الإنتاج السينمائي والفني في سوريا. فهي المختبر الحقيقي الذي يخرج ممثلين محترفين قادرين على حمل هموم الشخصية الكوردية بتلقائية، ومصورين سينمائيين يتقنون لغة الضوء والظل، ومخرجين يمتلكون الرؤية الإخراجية القادرة على سرد الحكايات الوطنية، وكتّاب سيناريو يفهمون خصوصية الثقافة الكوردية ويستطيعون صياغتها درامياً بلغات متعددة. ولعل ما يميز هذه التجربة الأكاديمية هو التكامل العضوي بين أقسام الفنون المختلفة، وهو عنصر جوهري غالباً ما تغفله المعاهد التقليدية. فالتكامل بين قسم المسرح الذي يمنح الممثلين الخبرة الحركية والصوتية ويؤسس لفهم الإيقاع الدرامي قبل انتقالهم إلى أمام الكاميرا، وقسم الموسيقا الذي يمنح الفيلم هويته النغمية ويعد مؤلفين موسيقيين قادرين على وضع الموسيقى التصويرية المعبرة عن روح الثورة والتراث الكوردي، وقسم الرسم والنحت الذي يؤسس لجماليات المشهد البصري ويدرّب مصممي الديكور والإضاءة والأزياء ويمنح المصورين السينمائيين حساً فطرياً بتكوين اللوحة السينمائية، وقسم السينما الذي يجمع هذه العناصر جميعاً في قالب بصري متحرك ويدرّب على تقنيات الإخراج والمونتاج والإنتاج. هذا التكامل الفني يخلق بنية تحتية أكاديمية احترافية ومتكاملة، قادرة على صناعة السينما الكوردية في سوريا باحترافية عالية، دون الحاجة إلى استيراد كوادر من الخارج. 

    المعهد لا يخرج فناناً منعزلاً، بل يخرج فريق عمل سينمائي متكامل الأركان، قادر على تنفيذ المشروع السينمائي من فكرته الأولى إلى عرضه الأخير، مما يضمن استمرارية وجودة الصناعة السينمائية ويعزز السيادة الثقافية والاقتصادية للفن الكوردي في المنطقة.

    في تموز 2026، عُقد في مدينة قامشلو الكونفرانس الأول لسينمائيي روج آفا، بمشاركة أكثر من مئة سينمائي من روج آفا، إلى جانب سينمائيين كرد من أجزاء كردستان الأخرى، وناقش الكونفرانس خلال جلساته هوية السينما ومهمتها وعلاقتها بالقضية الكوردية والمجتمع والمرأة، إلى جانب واقع السينما الكوردية في روج آفا، ومشكلات الإنتاج والتعليم السينمائي وما بعد الإنتاج والمهرجانات وعروض الأفلام. 

    اختُتم الكونفرانس بإقرار جملة من التوصيات، أبرزها تشكيل لجنة تأسيسية لصياغة النظام الداخلي تمهيداً لإطلاق اتحاد سينمائيي روج آفا، واعتُبرت هذه الخطوة بمثابة خارطة طريق لتطوير السينما الكوردية، ورفع الآمال برسم رؤية جديدة للمستقبل.

    لعبت المهرجانات السينمائية دوراً محورياً في تعريف السينما الكوردية بالعالم، وإبراز إنجازاتها. يُقام مهرجان روج آفا الدولي للأفلام سنوياً في الفترة من 13 إلى 20 تشرين الثاني، تزامناً مع ذكرى حريق سينما عامودا عام 1960، انطلقت دورته الأولى عام 2016 بمشاركة ما يقارب 30 فيلماً، ومع مرور السنوات توسعت المشاركة لتشمل المئات من الأفلام في خمس مدن ومخيمات اللجوء. كما أُقيم مهرجان نوجيان لأفلام المرأة كمنصة خاصة لأفلام المرأة، من إنتاج وإخراج نساء، ويعتبر إنجازاً مهماً في مسار تمكين المرأة في المجال السينمائي. 

    في الخارج، انطلقت الدورة الثالثة من مهرجان السينما الكوردية في مدينة دوسلدورف الألمانية عام 2026 بمشاركة أكثر من ثلاثين فيلماً بين الروائي والوثائقي، كما تُقام مهرجانات كردية في عواصم العالم من أمستردام إلى برلين إلى نيويورك.

    استطاعت السينما الكوردية أن تحقق إنجازات ملموسة وتكسب جوائز في المحافل الدولية. من أبرز هذه الإنجازات فيلم “Jinwar” الوثائقي الذي يوثق بناء أول قرية نسائية في الشرق الأوسط، فاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي في الأوروغواي عام 2025 ويُدرّس اليوم كمادة أكاديمية في جامعات نيويورك، وفيلم “كوباني” (2022) للمخرجة أوزلم ياشار، وهو إنتاج مشترك لكومين فيلم روج آفا.

    في سياق سوريا الجديدة التي تسعى إلى الاعتراف بتنوعها الثقافي واللغوي، تبرز أهمية إنتاج أفلام تشاركية متعددة اللغات، تجمع بين الكوردية والعربية والسريانية وغيرها من اللغات في عمل سينمائي واحد، هذه الأفلام لا تعكس فقط واقع التعددية في إقليم شمال وشرق سوريا، بل تساهم في بناء جسور التفاهم بين المكونات المختلفة. ولعل تجربة المخرج الكوردي السوري محمد عبد العزيز خير مثال على ذلك، فبعد مسيرة سينمائية في دمشق منتصف التسعينيات، يسعى اليوم إلى تحقيق حلمه في إنجاز فيلم كردي في روج آفا، وقد زار الإقليم برفقة نجله الفنان تيم عبد العزيز للتحضير لهذا المشروع، هذه التجارب تذكرنا بأن الدراما السورية والتلفزيون السوري ضمَّا شخصيات كردية بارزة أسهمت في إثراء الحركة السينمائية والتلفزيونية في سوريا والعالم العربي. وإعادة إحياء هذا التقليد مع الاعتراف بالهوية الكوردية ولغتها، يمثل خطوة مهمة نحو سينما سورية جديدة تعكس تنوع بلدها الحقيقي.

    رغم النهضة السينمائية في روج آفا، تبقى البرامج التلفزيونية المتخصصة في السينما الكوردية قليلة ومحدودة. في هذا السياق، تبرز تجربة برنامج “حكاية فلم” الأسبوعي على قناة اليوم، بالتعاون بين الكاتب عبدالوهاب پيراني والمخرجة السينمائية الكوردية أفين برازي. 

    ويعد برنامج حكاية فلم منبراً مهماً لتعريف المشاهدين بالأفلام السينمائية الكوردية والعالمية، وكشف التحديات التي واجهت صناعها، وظروف التصوير، ومسيرة وصولها إلى العالمية، كما يستضيف مخرجين وممثلين لمناقشة تجاربهم الفنية، ويجسد البرنامج جهداً مهماً في سد الفجوة بين الجمهور والسينما الكوردية، وإيصال رسالة مفادها أن السينما الكوردية موجودة وتستحق المشاهدة والاهتمام.

    يمثل التطور التكنولوجي السريع، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، فرصة ذهبية للسينما الكوردية لتجاوز بعض تحدياتها المادية واللوجستية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في تحسين الإنتاج باستخدام أدواته في المؤثرات البصرية وتحسين جودة الصوت والصورة بتكاليف أقل، وتسريع مرحلة ما بعد الإنتاج بالاستعانة ببرامج الذكاء الاصطناعي في المونتاج وتلوين الصور وتنقية الصوت، والترجمة والدبلجة لإنتاج نسخ متعددة اللغات من الأفلام الكوردية بسهولة مما يسهل وصولها إلى جمهور عالمي أوسع، والكتابة والتطوير باستخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد أفكار لسيناريوهات أو تطوير الشخصيات والحبكات الدرامية، والترميم الرقمي لإعادة ترميم الأفلام الكوردية القديمة مثل “زاريه” وحفظها للأجيال القادمة، والتوزيع الرقمي باستخدام المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتحليل الجمهور والوصول إلى المشاهدين المهتمين بالسينما الكوردية. 

    رغم هذه الإمكانيات، تبقى الحاجة إلى التوازن بين التقنية والروح الإنسانية للفن السينمائي، فالتقنية أداة وليست غاية، والسينما الكوردية بحاجة إلى الحفاظ على هويتها ورسالتها الإنسانية في قلب الثورة الرقمية.

    رغم كل هذه الإنجازات، تواجه السينما في روج آفا تحديات كبيرة، يمكن إجمالها في الحرب والهجمات المستمرة التي تؤثر على العملية التعليمية والإنتاج السينمائي وتتسبب في موجات نزوح كبيرة تعيق استمرارية العمل، وشح الإمكانات المادية والتقنية من قلة التجهيزات السينمائية وندرة استوديوهات الإنتاج وضعف التمويل، وغياب دور العرض حيث لا توجد صالات عرض سينمائية كافية لعرض الأفلام الكوردية محلياً، والحاجة إلى تأطير مؤسسي فرغم خطوة الكونفرانس لا يزال العمل السينمائي بحاجة إلى إطار قانوني ومؤسسي يحمي حقوق العاملين وينظم عملهم، والتحدي التسويقي المتمثل في صعوبة وصول الأفلام الكوردية إلى الجمهور العالمي وضعف التوزيع، وتتمثل سبل التغلب على هذه التحديات في تعزيز العمل المؤسسي من خلال إتمام تأسيس اتحاد سينمائيي روج آفا، وتوسيع نطاق الأكاديميات والمعاهد الفنية لاستقطاب المزيد من الطلاب، وإقامة شراكات مع مؤسسات سينمائية دولية لدعم الإنتاج والتدريب، واستخدام المنصات الرقمية لعرض الأفلام والوصول إلى جمهور أوسع، والاستمرار في تنظيم المهرجانات السينمائية محلياً ودولياً.

    لعبت السينما في روج آفا دوراً محورياً في توثيق الثورة ونقل حقيقتها إلى العالم، فمن خلال الأفلام الوثائقية والروائية، تم تسجيل يوميات المقاومة، وقصص النضال، وحياة الناس تحت وطأة الحرب. السينما قادرة على توحيدنا وكسر الحواجز بيننا، رغم التحديات، فالأفلام الكوردية لم تقتصر على توثيق المعاناة، بل طرحت أفكاراً حول الحرية، والديمقراطية، والتعايش المشترك بين المكونات، وقضايا المرأة والطفل. 

    شكلت ثورة روج آفا منعطفاً تاريخياً في حضور المرأة في السينما، فلم يعد دور المرأة مقتصراً على التمثيل، بل أصبحت شريكة أساسية في صناعة الفيلم من الكتابة إلى الإخراج، ومن العمل التقني إلى الصوت والمكياج. نُظهر المرأة القوية، القادرة على الاعتماد على نفسها، على القيادة، على الإبداع. ومن أبرز إنجازات سينما المرأة: تأسيس “Sîne Jin” (سينما المرأة)، وإنشاء قسم خاص بالسينما في معهد فنون المرأة، وإقامة مهرجان نوجيان لأفلام المرأة، وفيلم “Jinwar” الوثائقي. وفي ظل ظروف الحرب التي تعطل التعليم في مدارس روج آفا، وجد كومين فيلم روج آفا في الأطفال شغفاً وحماساً يستحق الرعاية، فبدأوا بتصوير حياتهم اليومية بهواتفهم، وتعلموا أساسيات التصوير والمونتاج، وقدموا أفلاماً قصيرة تحمل رسائل عن الوحدة، فالأطفال هم المستقبل ونحن جميعاً مسؤولون عن المستقبل، ومن أجل أن نحافظ على إرثهم ونصبح أقوى، علينا أن نولي المستقبل اهتمامنا الكبير.

    مئة عام مضت على ولادة أول فيلم كردي في أرمينيا السوفيتية، ومن قلب كردستان الحمراء ضمن بداية متواضعة مبشرة.

    زاريه فيلم صامت بالأبيض والأسود عن حب ومأساة، لكنه كان الشرارة التي أشعلت حلم شعب بأكمله. 

    من كردستان الحمراء التي ألغاها ستالين، إلى قمع البعث في سوريا، إلى ثورة روج آفا التي فتحت الأبواب أمام الإبداع، قطع الشعب الكوردي شوطاً كبيراً في سبيل إثبات وجودهم الفني والثقافي. 

    اليوم، وبعد مئة عام، السينما الكوردية ليست مجرد أفلام تُعرض في مهرجانات، يل إنها ذاكرة حيّة، وصوت الاحرار، وحلم لمن حُرموا من دولتهم. 

    ومع تأسيس الأكاديميات والمعاهد، وانعقاد الكونفرانس الأول، وإنتاج أفلام تنال جوائز دولية، يثبت السينمائيون الكورد أن الفن أقوى من القمع، وأن الإبداع يزدهر حتى في أحلك الظروف. 

    إنها مئة عام من العطاء رغم كل المواجع والكوارث والانتهاكات التي تعرض لها الشعب خلال القرن الماضي  

    وختاماً يبقى السؤال: 

    ماذا ستحمل المئة عام القادمة للسينما الكوردية؟ الجواب، بلا شك، في يد الأجيال القادمة من السينمائيين الأكراد، الذين سيحملون راية هذا الفن الجميل إلى آفاق أرحب.

    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني

    المقالات ذات الصلة

    في الذكرى الـ 64 للإحصاء المشؤوم: المرسوم 13 “يمنح” ولا “يعيد”.. وكورد سوريا يواجهون إرث الحرمان

    22 أغسطس، 2026

    إقليم كوردستان وسيناريوهات المواجهة الإقليمية

    17 أغسطس، 2026

    الحرب الخاصة… حين يتحول الوعي إلى ساحة المعركة

    17 أغسطس، 2026
    • آخر الأخبار

    شوارع ومشافي قامشلو تئن من فوضى الدراجات.. متى ينتهي الطيش دون قطع الأرزاق؟

    22 أغسطس، 2026

    في الذكرى الـ 64 للإحصاء المشؤوم: المرسوم 13 “يمنح” ولا “يعيد”.. وكورد سوريا يواجهون إرث الحرمان

    22 أغسطس، 2026

    عامودا بين الماضي والحاضر..

    22 أغسطس، 2026

    عمال صوامع عامودا يعتصمون للمطالبة بمستحقاتهم المالية

    22 أغسطس، 2026
    • آراء ومقالات
    • المجتمع
    • المرأة

    في الذكرى الـ 64 للإحصاء المشؤوم: المرسوم 13 “يمنح” ولا “يعيد”.. وكورد سوريا يواجهون إرث الحرمان

    22 أغسطس، 2026

    مئوية السينما الكوردية..رحلة فنٍ من كوردستان الحمراء إلى روج آفا (1926 – 2026)

    22 أغسطس، 2026

    إقليم كوردستان وسيناريوهات المواجهة الإقليمية

    17 أغسطس، 2026

    الحرب الخاصة… حين يتحول الوعي إلى ساحة المعركة

    17 أغسطس، 2026

    الحسكة تشهد احتفالاً كبيرأ لتكريم الكوادر التمريضية بمناسبة اليوم العالمي للتمريض 2026

    14 مايو، 2026

    بالشال الكوردي… سيدات الهلال يتسلمن درع الدوري السوري

    7 أبريل، 2026

    ‏​‏زواج يمزج بين الواجب العسكري والأصالة الكردية في يوم نوروز

    24 مارس، 2026

    من خيام اللجوء إلى قمة الثراء رحلة “دادفان يوسف”

    14 مارس، 2026

    ثورة19تموز… عندما #أزهرت_الحرية من رحم المعاناة

    19 يوليو، 2026

    في الذكرى الـ 52 لاستشهادها.. ليلى قاسم “عروس كوردستان” التي أضاءت مشعل الحرية من بغداد

    12 مايو، 2026

    ‏نقل نرجس محمدي للمستشفى بعد تدهور “كارثي” في صحتها

    2 مايو، 2026

    بمشاركة دولية وفعاليات متنوعة.. منصة الحركات النسائية تكشف برنامج حملة دعم “YPJ”​قامشلو – 26 نيسان 2026

    26 أبريل، 2026
    تقارير

    شوارع ومشافي قامشلو تئن من فوضى الدراجات.. متى ينتهي الطيش دون قطع الأرزاق؟

    22 أغسطس، 2026

    عامودا بين الماضي والحاضر..

    22 أغسطس، 2026

    ثلاثة أشهر بلا كهرباء.. أهالي حارة جامع الشيخ عبيد في عامودا يواجهون معاناة الحر

    21 أغسطس، 2026

    قامشلو تستعد لاستقبال العام الدراسي 2026/2027

    16 أغسطس، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    جميع الحقوق محفوظة © 2026 KurdistanSyria.net.

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter