في ملامح الفنان التشكيلي عرفان حمدي، تُختزل تفاصيل مسيرة فنية شاقة، بدأت من طين ريف الحسكة وصولاً إلى عواصم الفن الأوروبية. عرفان، وهو الشقيق الأصغر للفنان الكردي السوري العالمي الراحل عمر حمدي، المعروف في المحافل الدولية باسم “مالفا”، يفتح مخزن الذاكرة ليروي كيف تشرّب الفن والحكمة من شقيقه الأكبر، وكيف وُلدت واحدة من أبرز التجارب التشكيلية السورية من رحم الخوف والمعاناة.في شهادة وجدانية ومؤثرة، يستذكر عرفان حمدي تفاصيل الطفولة القاسية التي عاشها شقيقه الراحل “مالفا” في قريتهم، حيث كان الرسم يُعتبر ترفاً أو خروجاً عن القواعد الصارمة التي فرضتها العائلة في ذلك الوقت.ويروي عرفان كيف كان شقيقه الأكبر يختلس اللحظات ليرسم، مدفوعاً بشغف لا يهدأ، لكنه كان يصطدم دائماً برفض الأب وقسوته، ويضيف:«كان عمر يخشى بشدة أن يكتشف والدي تلك الرسومات، خوفاً من أن يمزقها أو يعاقبه بالضرب المبرح. لذلك، لم يجد ملاذاً لحماية ألوانه ولوحاته الغضّة سوى جوف البئر القريب من المنزل؛ إذ كان ينزل سرّاً ليخبئها في عتمة البئر، محولاً ذلك المكان المظلم إلى أول معرض شخصي وسري لأعماله».من تلك العتمة، وبمرور السنوات، خرجت تلك اللوحات لتضيء كبرى صالات العرض في فيينا ونيويورك، حاملةً معها طاقة تفجيرية من الألوان المستوحاة من طبيعة الجزيرة السورية.وعن الدروس والحكمة التي استقاها من شقيقه، يشير عرفان حمدي إلى أن “مالفا” ترك منهجاً صارماً وبسيطاً في آنٍ واحد لكل المبدعين الذين يواجهون ظروفاً صعبة، حيث كان يردد دائماً وصيته الأثمن: «ارسموا الحكاية بالمواد المتواجدة والمتاحة بين أيديكم».تلك الكلمات لخصت فلسفة الشقيقين في تطويع المتاح؛ فالإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى مَراسم فارهة أو أدوات باهظة الثمن، بل إلى روح صادقة قادرة على تحويل الفحم وطين الأرض إلى لوحة تروي قصة إنسان
محمود عيسى
