بقلم : محمود عيسى
ثمة أيام تمر على المرء لا تعتبره كباقي الأيام، بل تجتاح روحه كعاصفة عاتية، تترك خلفها شخصاً آخر، روحاً جديدة لا تشبه القديمة في شيء، وكأن الصدمات تعيد تشكيلنا من عدم، لنقف مذهولين أمام مرايانا، نتساءل: مَن هذا الذي يرتدي ملامحنا تبدأ الحكاية من تلك الغرفة التي تحولت على مدار ثلاث سنوات كاملة إلى ما يشبه “الكوخ الملكي”. مفارقة عجيبة بين جدران ضيقة تضيق بالأنفاس، وبين ملكية زائفة صنعتها الخلوة. ثلاث سنوات مضت بلا وجوه، بلا رفاق، بلا عبور لظل إنسان. لم يكن هناك سوى الوحدة المطلقة، وكوب قهوة بارد، وأحلام مؤجلة تتجاوز الطموح لتصبح مجرد رغبة بسيطة في العثور على أمان يسكن الروح المنهكة.
لكن الصبر، كأي جدار متآكل، له طاقة قصوى قبل الانهيار. وحين نفذ الصبر، تحول الكوخ من ملاذ إلى سجن خانق، وأصبح الخروج منه ضرورة للبقاء، حتى لو كان خروجاً نحو المجهول.
كان الدافع وراء الهروب بسيطاً وموجعاً في آن معاً: “أن أكون بين الناس فقط، وأن أشبههم”. ومن أجل هذه الرغبة الضئيلة في الاندماج والهرب من نظرة “خريج الكهف غريب الأطوار”، تلاشت المحاذير. كان الهروب عنيفاً وقاسياً، تجسد في النوم في أماكن لا تليق بالبشر، بين الركام، وحتى العبور فوق دماء الأقارب المثقلة بالوجع. كل هذا لم يكن حباً في القاع، بل كان ثمناً مدفوعاً للقاء أي وجه بشري يكسر حدة العزلة.
ولكن، يبدو أن الرياح لا تجري دائماً بما تشتهيه السفن، بل إن القارب قد يسير عكس الموج والريح معاً. بدلاً من العثور على الدفء الإنساني، قادت الأقدار الخطى إلى سجن حقيقي دام لسنة كاملة في بلاد الغربة.
هناك، حيث صمت الجدران يلتقي بغربة اللسان، عشت حيرة عارمة؛ مكان لا تجيد لغته، لا تفهم فيه الفرق بين المزح والشتيمة، ولا تملك فيه سوى الصمت. في تلك اللحظات الساحقة، تراجعت الطموحات كلها، واختُصرت أمنيات الحياة في رغبة واحدة: العودة إلى الكوخ الخانق القديم، الرضا بالوحدة الأولى التي بدت حينها كالفردوس المفقود
تكتمل التراجيديا الإنسانية في الفصل الأخير. عندما يتحقق حلم العودة بعد دفع أثمان باهظة من العمر والروح، يكتشف المرء أن الأماكن أيضاً تتغير، أو ربما لا تقبل العائدين بملامح مشوهة.
عُدتُ، ولكن حتى الكوخ لم يعد يستقبلني، لا كمالكٍ بيده المفاتيح، ولا كزائرٍ يستحق الضيافة. لقد أُغلقت الأبواب كلها، وبقيت الروح معلقة في الفراغ.
إن الصدمات المتلاحقة لا تكسرنا فحسب، بل تطحن الهوية القديمة لتصنع منا أشخاصاً آخرين. إنها تغير القناعات، وتبدل نظرتنا للأمان والحرية. وتبقى الأسئلة معلقة: هل نحن من تغيرنا، أم أن الأماكن والناس هم من أرغمونا على ارتداء هذه الأرواح الجديدة التي لا تشبهنا؟
