أثارت المراسيم السياسية والإدارية الأخيرة الصادرة في دمشق (ولا سيما المرسوم رقم 13 والاتفاق المشترك المعقود في 29 كانون الثاني) والمتعلقة بالحقوق القومية والإدارية للمكون الكوردي، ردود أفعال متباينة في الأوساط الثقافية والسياسية الكوردية في روجآفا
وفي هذا السياق، استطلعت “وكالة كوردستان سوريا” آراء النخبة الثقافية، حيث التقت بالسيد يوسف كوتي (رئيس اتحاد المثقفين في الجزيرة الكوردية)، الذي قدم قراءة نقدية تحليلية لمستقبل الحقوق الكوردية في سوريا الجديدة، والتمثيل البرلماني العادل، والدور المنوط بالمثقف الكوردي في هذه المرحلة الحساسة.
تقييم المراسيم الأخيرة: التفاتة خجولة لا تلبي الطموح
يرى الشارع الثقافي الكوردي أن الخطوات التي اتخذتها الحكومة في دمشق مؤخراً لا تزال دون مستوى التضحيات. وحول تقييم المرسوم رقم 13 والخطوات السياسية الأخيرة، يوضح يوسف كوتي للوكالة:
حقوق منقوصة: لا يمكن القول بأن المراسيم الحالية تلبي وتضمن كامل الحقوق الكوردية اليوم، أو أن هناك اعترافاً كاملاً بها من جانب دمشق.
سابقة تاريخية: يُحسب للمرسوم رقم 13 أنه يمثل المرة الأولى التي تصدر فيها الحكومة قراراً يحمل التفاتة أو معالجة لبعض الحقوق الكوردية بعد عقود من التهميش.
خطوة إسعافية للتعايش: الاتفاق الأخير (29 كانون الثاني) جاء كخطوة عاجلة وإسعافية لدمج وتسهيل عيش المكونين العربي والكوردي معاً، وتفعيل التعاون بين المؤسسات الإدارية للدولة بما يضمن وجود تمثيل كوردي محلي.
المسألة الثقافية والقومية: المطالبة بدسترة اللغة الكوردية
رغم الإيجابيات المتمثلة بالاعتراف ببعض الخصوصيات، يرى المثقفون أن الحقوق الثقافية يجب ألا تبقى مجرد “منح اختيارية”، حيث أشار كوتي إلى ما يلي:
المكتسبات الحالية: تم انتزاع الاعتراف بعيد “نوروز” كعيد قومي وكعيد للربيع، إضافة إلى تخصيص ساعتين أسبوعياً للغة الكوردية في المدارس.
المطالب الدستورية: يعتبر كوتي أن تحديد ساعتين أسبوعياً وجعل اللغة الكوردية “اختيارية” أمر غير كافٍ. ويطالب باسم المثقفين الكورد بـ إدراج اللغة الكوردية في الدستور السوري كـ “لغة رسمية” إلى جانب اللغة العربية، نظراً لأن الكورد هم المكون الثاني في البلاد من حيث التعداد السكاني وجزء أساسي من النسيج السوري.
أزمة التمثيل السياسي: لغة الأرقام في البرلمان السوري
أثار ملف التمثيل البرلماني للمحافظات ذات الغالبية أو الوجود الكوردي الكبير (مثل محافظة الحسكة) انتقادات واسعة حول آليات التعيين السابقة والمستقبلية.
مقارنة إحصائية يطرحها اتحاد المثقفين عبر الوكالة:
نسبة السكان الكورد في سوريا: تتراوح بين 15% إلى 20%.
الواقع السابق: من أصل 14 أو 15 نائباً يمثلون محافظة الحسكة، لم يكن هناك سوى 4 نواب كورد فقط.
التمثيل الحالي المجحف: إجمالي التمثيل الكوردي من كامل منطقة شمال وشرق سوريا (روجآفا) لا يصل إلى 10 مقاعد في برلمان يضم 251 مقعداً.
الاستحقاق العادل: يطالب المثقفون الكورد برفع الحصة الكوردية في البرلمان السوري بما لا يقل عن 35 إلى 40 مقعداً لضمان تمثيل حقيقي وتثبيت إرادة الشعب الكوردي.
حراك المثقفين: نحو دور ريادي في “سوريا الجديدة”
أكد رئيس اتحاد المثقفين في الجزيرة الكوردية لـ “وكالة كوردستان سوريا” أن الاتحاد بصدد توسيع نطاق أنشطته في الفترة المقبلة لمواكبة هذه التطورات عبر:
تكثيف الندوات والحوارات والأمسيات الثقافية والسياسية للتعريف بالقضية الكوردية والمراسيم الصادرة.
حشد الطاقات الثقافية لضمان حجز مكانة تليق بالكورد كشريك رئيسي في بناء سوريا الجديدة.
التأكيد على أن دماء التضحيات مئات الآلاف من السوريين خلال 15 عاماً من الثورة والصراع يجب أن تثمر عن دولة ديمقراطية تضمن حقوق الجميع دون إقصاء
حراك ثقافي وتوعوي مكثف لخدمة القضية
”إننا بصفتنا مثقفين كورد نكثف جهودنا بشكل استثنائي وخاص في هذه المرحلة الحساسة؛ حيث نعمل بلا كلل على تنظيم الندوات الحوارية، وإدارة النقاشات السياسية والفكرية، وإقامة الأمسيات الثقافية.
إن هذا الحراك يرتكز على هدفين رئيسيين:
التعريف بالقضية الكوردية وأبعادها التاريخية والوطنية.
شرح وقراءة القرارات والمراسيم الصادرة، والعمل الدؤوب على إيجاد حل عادل وشامل للقضية الكوردية داخل الجغرافيا السورية، وهو أمر نؤمن يقيناً أنه يصب في مصلحة استقرار سوريا ككل.”
ريادة المجتمع وضمان الحقوق الشاملة في سوريا الجديدة
”نحن نناقش هذه المسائل المصيرية اليوم في لقاءاتنا، ونخطط لتوسيع نطاق هذه الأنشطة مستقبلاً. والسؤال الجوهري الذي نطرحه هو: كيف يمكننا كمثقفين كورد أن نضمن حقوقنا المشروعة ضمن سوريا الجديدة، وأن نتبوأ مكاننا المستحق، لنكون فاعلين ومساهمين في قيادة هذا المجتمع وتطويره؟
إن نضالنا المستمر وجهودنا المبذولة تهدف إلى معرفة واشتقاق الطرق الوسائل للوصول إلى كامل الحقوق دون انتقاص، سواء كانت:
حقوقاً لغوية وثقافية.
حقوقاً سياسية وجغرافية.
حقوقاً مدنية واجتماعية في كافة مجالات الحياة.”
ثالثاً: مسؤولية المثقف تتجاوز أيديولوجيا الأحزاب السياسية
”بناءً على هذا الأساس، يقع على عاتقنا كمثقفين واجب كبير، وهو واجب توعوي وتنويري. وهنا أود التأكيد: أنا لا أتحدث كسياسي، بل أرى أن مسؤولية المثقف أكبر بكثير وتضع على كاهلنا عبئاً أثقل من العمل الحزبي.
نحن لا ننكر دور الأطراف والأحزاب السياسية الكوردية وما تقوم به عموماً، ولكي نكون منصفين ومحايدين دون انحياز لطرف على حساب آخر، فإننا نرى أن من حق كل حزب سياسي أن يسعى وفقاً لرؤيته وأيديولوجيته وقناعته لإيجاد حل للقضية الكوردية.
ولكن، نحن كمثقفين وكُتّاب كُورد، يجب أن تكون لنا نظرة وفلسفة مغايرة تماماً؛ ينبغي لنا أن ننظر إلى كيفية معالجة القضية الكوردية بما يخدم المصلحة العامة والشاملة للشعب الكوردي ككل، بعيداً عن مصلحة طرف سياسي معين أو سياسة فئة محددة. إن دورنا الحقيقي والملح يتلخص في: ترسيخ وتأكيد مصالح الكورد العامة في سوريا، والتركيز على حماية ثقافتهم، ولغتهم، ووجودهم التاريخي الأصيل.”
اعداد : ليان
عدسة : سيماف سليمان
