بقلم : محمود عيسى
على الخارطة الجيوسياسية للشمال الشرقي السوري، لا يمكن قراءة بلدة ” كركي لكي بمعزل عن محيطها المشبع برائحة النفط والغاز. هذه البلدة، التي تتربع في زاوية استراتيجية بالقرب من الحدود التركية والعراقية، تمثل نموذجاً صارخاً للمفارقة الجيوسياسية التي تحكم مناطق الثروات في العالم: “وفرة الموارد، وضنك العيش”.
تاريخياً، شكّلت “كركي لكي” ومحيطها، ولا سيما حقول رميلان المتاخمة لها، العصب الحركي للاقتصاد السوري. من هذه الأرض، كانت تُستخرج مئات الآلاف من براميل النفط يومياً لتغذية خزينة الدولة ومشاريعها الحيوية. لكن المفارقة الجيوسياسية هنا تكمن في معادلة المركز والأطراف التي اتبعها النظام البائد لعقود؛ حيث عوملت المنطقة كخزان للموارد ومصدر للثروة، دون أن ينعكس هذا الثراء على واقعها الخدمي والتنموي، بل عانت البلدة من تهميش بنيوي مقصود.
على الصعيد الديمغرافي والسياسي، يشكل المكون الكوردي الثقل الأساسي في هذه البلدة إلى جانب نسيج عشائري عربي متداخل. وبالنسبة للكرد، لم تكن “كركي لكي” مجرد جغرافيا زراعية أو نفطية، بل كانت جزءاً من عمقهم الثقافي والتاريخي. هذا البُعد بالتحديد جعلها في مرمى السياسات الديمغرافية والأمنية الصارمة التي تبناها النظام البائد، والتي هدفت إلى إضعاف الروابط القومية والسياسية للكرد في المناطق الغنية بالثروات.
لقد جرى التعامل مع حقول رميلان المحيطة بالبلدة وكأنها “لعنة موارد” حلت على سكانها الأصليين؛ فبدلاً من أن تتحول العوائد النفطية إلى مستشفيات حديثة، وبنية تحتية متطورة، وجامعات تحتضن شباب المنطقة، بقيت كركي لكي تعيش على الهامش الاقتصادي. سادت سياسة حرمان التنمية بهدف إبقاء المنطقة تحت السيطرة الأمنية المباشرة، ومنع نشوء أي مركز قوة اقتصادي أو سياسي محلي يمكن أن يطالب بحقوق وإدارة هذه الثروات.
اليوم، تقف كركي لكي في قلب التحولات الجيوسياسية الجديدة في شرق الفرات، مستندة إلى إرث طويل من الصمود وتشبث سكانها بهويتهم وأرضهم، لتبقى شاهداً حياً على مرحلة جرى فيها تحويل الثروة الوطنية من أداة للبناء والإنصاف، إلى أداة للتهميش والإقصاء.
