بقلم :آراس مرعيكا
وسط تفاصيل الحياة اليومية التي تعج بها مدينة قامشلو، والتحولات الكثيرة التي طرأت عليها، تبرز ملامح وجوهٍ لا تخطئها العين؛ وجوه كبار السن الذين خطّ الزمن فوق ملامحهم حكاية أخرى من حكايا الحرب والهجرة، حكاية أبطالها ليسوا ساسة ولا قادة أحزاب، بل آباء وأمهات يعيشون على هامش الشوق.
في هذه المدينة، لم يعد كبار السن يكترثون كثيراً بالنقاشات السياسية، ولا بالمشاريع الكبرى التي تشغل العناوين الإخبارية. لقد غدا حديثهم متمحوراً حول أمرٍ أبسط بكثير، لكنه أشدّ وجعاً وإيلاماً: الأبناء الغائبون.
مدنٌ بعيدة.. وحضورٌ طاغٍ
في كل جلسة أو زاوية من جلسات المدينة، يتكرر المشهد ذاته؛ أبٌ أو أم يمسكان بهاتفٍ محمول، يطيلان النظر إليه بانتظار رنينٍ أو إشعارٍ يكسر صمت المكان. المفارقة المؤلمة اليوم في قامشلو، هي أن أسماء العواصم والمدن الأوروبية كـ (برلين، ستوكهولم، وأمستردام) باتت تتردد في أحاديث كبار السن أكثر من أسماء أحياء مدينتهم التي أفنوا فيها أعمارهم.
إن السنوات الماضية لم تأخذ من قامشلو شبابها فحسب، بل سلبتها شيئاً من روحها وحيويتها. البيوت هنا ما زالت مأهولة، لكنها لم تعد ممتلئة؛ غادرها الأبناء وبقي الآباء يحرسون الجدران والذكريات.
”بات الكثير من كبار السن يعيشون وسط صور أبنائهم وأحفادهم أكثر مما يعيشون معهم في الواقع.”
يتأملون تفاصيل حيواتهم عبر شاشات هواتف صغيرة؛ يشاهدون حفيداً يكبر عاماً تلو الآخر دون أن تحظى أيديهم بفرصة احتضانه، أو يتابعون ولادة طفلة جديدة لا تعرف ملامح جدتها إلا عبر موجات “مكالمات الفيديو” العابرة للقارات.
مزيج الفخر والحسرة
حين يتحدث هؤلاء الآباء عن مغتربيهم، تلمح في عيونهم مزيجاً غريباً ومعقداً من الفخر والحسرة في آنٍ واحد. يفتخرون لأن أبناءهم نجحوا، واستقروا، وبنوا حياةً آمنة ومستقبلاً أفضل بعيداً عن الأزمات. لكن خلف هذا الفخر، يربض حزنٌ صامت وعميق؛ حزن أبٍ كان يحلم أن يكبر أولاده تحت جناحيه، وأن يستند إليهم في أمسيات العمر الأخيرة، بدلاً من أن يتحولوا إلى “زوار” يستقبلهم مرة كل بضع سنوات.
إن الوجع الأكبر الذي يواجهه كبار السن اليوم في قامشلو، وفي الكثير من المدن السورية، لم يعد يكمن في الخوف من الفقر أو المرض، بل في الرعب من الوحدة. فالإنسان عندما يتقدم به العمر، لا يحتاج إلى وفرة المال بقدر حاجته إلى الرفقة والأمان النفسي؛ يحتاج إلى صوتٍ يألفه، وإلى وجوهٍ أحبها وقضى عمره يراها.
حكاية تختصرها جملة
لقد تحول “الانتظار” إلى طقس يومي وثابت في حياة الأمهات والآباء؛ انتظار اتصال، أو رسالة، أو صورة جديدة، أو موعد لزيارة قصيرة عابرة تنتهي دائماً أسرع مما ينبغي. ولعل الثقل الحقيقي للحرب والهجرة يختصر في تلك الجملة العفوية التي تخرج بمرارة من أفواههم:
“الله يجمعني بولادي قبل ما أموت”.
هي جملة قصيرة من بضع كلمات، لكنها تختزل في طياتها سنوات طويلة من الشوق، والحنين، والغربة القسرية. ومع كل هذا الوجع، يرفض الآباء الشكوى؛ تجدهم دائماً يبررون لأبنائهم، يدافعون عنهم، ويلتمسون لهم الأعذار بأن الغربة كانت خياراً إجبارياً فرضته الظروف.
لكن، وخلف كل كلمات التفهم والرضا بالواقع، يبقى هناك قلب أبٍ وأم، لا يتمنى من هذه الدنيا سوى أمر واحد: أن تجتمع العائلة مجدداً حول مائدة واحدة.. ولو لمرة أخيرة.
وجوهٌ من قامشلو: حياةٌ معلّقة على شاشات الهواتف وأرواحٌ يقتلها الانتظار
آخر تحديث:3 دقائق
