بقلم الكاتب : حسن محمد علي
هناك سؤال يستحق أن نطرحه على أنفسنا، نحن الكورد في سوريا، في هذه المرحلة الحساسة:
هل ما يجري بيننا اليوم يقربنا من تحقيق أهداف شعبنا، أم يأخذنا بعيداً عنها؟
السؤال ليس موجهاً إلى حزب بعينه، ولا إلى تيار سياسي محدد، وليس الهدف منه الدفاع عن أحد أو مهاجمة أحد. إنه سؤال يتعلق بمصلحة مجتمع بأكمله.
نحن نمر بمرحلة تاريخية تشهد تحولات كبيرة في سوريا والمنطقة. وفي مثل هذه المراحل لا يكفي أن نمتلك الرغبة في تحقيق حقوقنا؛ بل نحتاج إلى أن نعرف كيف نحافظ على قوتنا، وكيف نحول تجاربنا وتضحياتنا إلى مكاسب سياسية وقانونية مستدامة.
وهنا يصبح السؤال عن طريقة اختلافنا مهماً بقدر السؤال عن مضمون اختلافنا.
الاختلاف ليس المشكلة فمن الطبيعي أن يختلف الكورد في سوريا. فلدينا أحزاب واتجاهات وتجارب سياسية متعددة، ولكل طرف رؤيته وقراءته للمرحلة ، وليس المطلوب أن يصبح الجميع حزباً واحداً، أو أن يتخلوا عن قناعاتهم.
فالتعدد السياسي ليس ضعفاً ، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا عرفنا كيف نديره. فالمشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف من منافسة سياسية إلى خصومة اجتماعية، ومن نقد السياسات إلى استهداف الأشخاص، ومن طرح البدائل إلى التخوين والتشهير ، عندها لا يعود السؤال: أي مشروع أفضل؟ بل يصبح السؤال: كيف نسقط الطرف الآخر؟ وهنا تبدأ الخسارة.
ماذا تفعل الشعوب في المحطات الصعبة؟
عندما تتعرض الشعوب لضربات أو تجد نفسها أمام تحولات تاريخية، فإنها لا تتوقف عن النقد والمراجعة. لكنها عادةً تبحث عن العناصر التي تستطيع أن تجمعها، وتحافظ على قوتها، وتعيد ترتيب أدواتها وفق الظروف الجديدة.
قد تتغير الوسائل وقد تتغير التحالفات وقد تتغير المؤسسات ، وقد تتغير طريقة العمل السياسي.
لكن الهدف الأساسي لا يُترك رهينة للخلافات الداخلية. وهذه قاعدة مهمة لنا أيضاً: يمكن أن نغير الأدوات من دون أن نتخلى عن الحقوق ويمكن أن نراجع تجربة سابقة دون أن نمحو كل ما تحقق خلالها.ويمكن أن نختلف حول اتفاق أو سياسة أو قيادة، دون أن نحول المجتمع كله إلى ساحة صراع.
من المستفيد من استنزافنا؟
ليس من الحكمة أن ننظر دائماً إلى الخلاف باعتباره شأناً داخلياً منفصلاً عن البيئة المحيطة بنا.فهناك قوى لها مصالحها في سوريا والمنطقة، وهناك من لا يريد للكرد أن يتحولوا إلى قوة سياسية متماسكة قادرة على الدفاع عن حقوقها.
لكن حتى من دون وجود أي طرف خارجي، فإن الانقسام الحاد يضعفنا بذاته، فعندما تنفق الأحزاب والناشطون والمثقفون طاقتهم في مهاجمة بعضهم البعض، تقل الطاقة المتاحة للعمل السياسي الحقيقي ، وعندما يفقد المجتمع ثقته بقواه، يصبح أكثر عرضة للإحباط واليأس. وعندما تتحول كل قضية إلى معركة بين جمهورين، يصبح الوصول إلى موقف مشترك أكثر صعوبة. لذلك لا ينبغي أن يكون سؤالنا فقط:
من بدأ الخلاف؟ بل أيضاً : إلى أين يأخذنا الخلاف؟
المشروع يواجه بالمشروع
إذا كان لدى أي طرف رؤية أفضل لمستقبل الكورد في سوريا، فليطرحها، وإذا كان لديه تصور أفضل للعلاقة مع الدولة السورية، فليشرحه. وإذا كان لديه طريق أفضل لحماية الحقوق، فليقدمه. وإذا كان لديه نقد لاتفاق أو تجربة أو سياسة، فليضع أدلته أمام الناس ، فالشعب قادر على الحكم بين المشاريع. أما الاكتفاء بإسقاط الأشخاص من دون تقديم بديل، فلا ينتج قوة سياسية جديدة.
نحن بحاجة إلى منافسة سياسية تقوم على سؤال:
من يستطيع أن يقدم أفضل لشعبه؟
لا على سؤال: من يستطيع أن يهزم الآخر إعلامياً؟
لا نحتاج إلى اتفاق على كل شيء ، ربما لن نتفق جميعاً على شكل الحل السياسي، وربما سنختلف حول كثير من التفاصيل ، لكن يمكننا أن نتفق على حد أدنى: أن الشعب الكورد جزء أصيل من سوريا. وأن حقوقهم يجب أن تكون مصونة دستورياً وقانونياً ، وأن اللغة والثقافة والهوية يجب أن تحظى بالحماية. وأن المشاركة السياسية حق للجميع، وأن لايحتكر حزب بمفرده تمثيل الكورد. وأن الخلافات السياسية يجب ألا تتحول إلى كراهية داخل المجتمع، فهذه المساحة المشتركة كافية لكي نبدأ.
فنحن امام لحظة تستحق التفكير
لا نعرف كيف سيكتب التاريخ هذه المرحلة بعد سنوات. لكننا نعرف أن كل مرحلة تاريخية تفرض على الشعوب اختباراً. والاختبار ليس فقط في قدرتها على مواجهة خصومها، بل أيضاً في قدرتها على إدارة اختلافاتها الداخلية. لذلك ربما نحتاج اليوم إلى أن نتوقف قليلاً عن سؤال:
من المخطئ؟ ونسأل بدلاً منه: ما الذي يخدم شعبنا؟ فالاختلاف يمكن أن ينتج أفكاراً جديدة.
أما الاستنزاف فلا ينتج إلا مزيداً من الضعف.لسنا بحاجة إلى أن ينتصر كردي على كردي. نحن بحاجة إلى أن تنتصر الحكمة على الانفعال، والمشروع على التشهير، والتعاون على الاستنزاف. فالفرص التاريخية لا تأتي دائماً ، وعندما تأتي، فإن الشعوب الذكية لا تهدرها في معاركها الداخلية.
