بقلم: ديرسم العلي
تُعدّ ظاهرة المزاودة على المقاومين من الإشكاليات التي تبرز في أوقات الصراع؛ حيث يتحوّل دعم المقاومة من موقفٍ قوميٍّ أو وطنيٍّ أو أخلاقيٍّ إلى ساحةٍ للتنافس الخطابي، يسعى فيها البعض إلى الظهور بمظهر الأكثر التزامًا أو تشددًا، دون أن يواكب ذلك بالضرورة فعلٌ حقيقيٌّ على الأرض.
تنشأ المزاودة غالبًا عندما يغيب الفعل الملموس، فيحلّ محلّه خطابٌ مرتفع النبرة، يتّهم الآخرين بالتقصير أو الخيانة، ويُصنّف الناس وفق معايير ضيّقة. وفي هذه الحالة، تصبح القضية نفسها أداة للمفاضلة بين الأفراد أو التيارات بدلاً من أن تكون عامل توحيد، مما يؤدي إلى خلق انقسامات داخل المجتمع قد تكون أكثر ضررًا من الخلاف مع الخصم الخارجي.
كما تُسهم وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي (تلك التي تُدار من قِبَل أشخاصٍ أقلّ ما يُقال عنهم إنهم حثالة على هيئة بشر، أغلبهم ساقطون نفسيًا وأخلاقيًا ومَنبوذون اجتماعيًا، ولم يكن لهم وجودٌ في الشأن المجتمعي أو السياسي) في تضخيم هذه الظاهرة؛ حيث يُكافَأ الخطاب الحاد والسريع الانتشار (السوقي)، بينما تُهمَّش المواقف المتزنة التي تحاول فهم الواقع وتعقيداته. ومع مرور الوقت، يتحول النقاش من كيفية دعم المقاومة بشكلٍ فعّال إلى مَن هو «الأكثر ولاءً»، أو «الأصدق انتماءً»، أو «الأكثر عداءً».
خطورة المزاودة لا تكمن فقط في تشويه صورة العمل المقاوم، بل أيضًا في إضعافه من الداخل؛ إذ تُستنزَف الطاقات في جدالاتٍ جانبية، وتتراجع الأولويات الحقيقية، كما أنها قد تدفع بعض الأفراد إلى اتخاذ مواقف متطرفة أو غير مدروسة، فقط لإثبات الانتماء أو تجنب الاتهام.
وتطغى على المشهد تياراتٌ تصادمية غايتها الأساسية قلب الحقائق؛ فقط لإثبات صدق حالة العداء لديها، هذا من جهة. أما المارقون في الحدث والتاريخ، فيستغلون الموقف بحدةٍ قلّ نظيرها؛ نزوعًا إلى استغلال الفرصة لأسبابٍ ذاتية أو نفعية.
وللتعامل مع هذه الظاهرة، لا بدّ من إعادة الاعتبار للفعل المسؤول على حساب الخطاب الاستعراضي، وتعزيز ثقافة النقد البنّاء الذي يهدف إلى التقويم لا الإقصاء، كما ينبغي الاعتراف بأن دعم القضايا الكبرى يمكن أن يأخذ أشكالاً متعددة، وليس بالضرورة أن يكون موحَّدًا في الأسلوب أو التعبير.
وفي الختام، فإن قوة أي قضية لا تُقاس بحدة الخطاب المحيط بها، بل بمدى قدرتها على توحيد الجهود وتوجيهها نحو أهدافٍ واضحة، أما المزاودة -مهما بدت حماسية- فإنها قد تتحول إلى عبءٍ إذا لم تُضبط بروح المسؤولية والوعي
