بقلم: كوردستان يوسف
في البدء، كان الفرح تعبيراً جسدياً خالصاً… قبل اللغة و الكلمات، وكان الإنسان القديم يعبر عن بهجته بالقفز والدوران، بالرقص المحموم حول النار، وكانت هذه هي لغة الفرح في أنقى صورها، وطاقة حياة يتم تفريغها بالصوت والحركة واللمس، لتقوية أواصر التجمعات البشرية لإعلان مظاهر الفرح بكل نقاء.
ومع تطور المجتمعات، استطاع الإنسان تأطير أساليب تعبيره عن الفرح والابتهاج إلى إطلاق أغنيات واناشيد جماعية، وتحولت حركات القفز إلى رقصات متقنة، وكانت الولائم الجماعية تعبيراً عن المشاركة في الفرح، واعلاناً عن بدء المواسم أو انتهاء الحصاد وقطف الثمار وتشكلت لاحقا الاعياد الطقوسية، وتعلم الإنسان أن يؤطر فرحه، أن يمنحه من جمال روحه الكثير محولاً ذلك الفرح إلى احتفال منظم يشارك فيه المجتمع بأسره.
في العصر الحديث، أكملت التكنولوجيا هذا المسار، فظهرت الألعاب النارية كتتويج حضاري وجمالي واستمراراً لطقوس الفرح، فهي تمثل رغبة الإنسان في استعارة قوة الطبيعة، البرق والرعد، للتعبير عن بهجته، كما إنها تحقيق مصغر لحلم التحليق في السماء والوصول إلى النجوم، حيث ترسم الألوان والأنوار لوحة عابرة تشارك فيها الجماهير برفع رؤوسها إلى الأعلى في لحظة ذهول جماعي، وتشكل الألعاب النارية تكراراً لعمليات إيقاد النيران والشموع ضمن فن بصري جمالي آمن، معبراً عن فرح جماعي دون إلحاق الأذى بالطبيعة والإنسان.
وبالتوازي مع هذا المسار الحضاري، نبت غصن شائك ومشوه في المجتمعات الشرقية اختصر على إطلاق الطلقات النارية الحية في الأفراح قبل المأتم، بعيداً عن الأخلاق والطقوس المقدسة، حيث يتم استعراض أداة القتل البشرية بذاتها من قبل الرجل، وهنا تبرز قضية الانقسام التاريخي العميق في طبيعة التعبير فعبر العصور كانت المرأة وماتزال تعبر عن الفرح بلغة الجسد والصوت النقي، بالزغاريد التي تخترق الآفاق، والصرخات العفوية، والتصفيق الإيقاعي، والحركات الرشيقة التي تفيض حياة وجمالاً، و في المقابل لجأ الرجل منذ القدم إلى أدواته القتالية، مستخدماً سلاحه لإحداث فرقعة السيوف والدروع في المعارك والاحتفالات، وصولاً إلى عصر الرصاص وإطلاقه، مسبباً القتل والدمار، في شكل تعبير باهت عن “الرجولة” القاتلة، إنه تصرف لا يمكن وصفه بالبدائي، بل هو ممارسة استعراض أوهام القوة، وفي الجانب الآخر يبقى تعبير الأنثى أقرب إلى جوهر الفرح، فهي تحتفل بكل جمالية، بعيدة عن استعراض الموت، بل تحتفي بالحياة، وليس استعراض القتل والموت، حيث تبادل الفرح بالفرح وليس الفرح بالمأسي.
إن إطلاق النار في الأفراح ليس تعبيراً عن الفرح، بل هو اغتيال متعمد لمعناه، إنه انحراف يقلب جوهر الفرح رأساً على عقب، فالفرح في عمقه البيولوجي والاجتماعي هو احتفاء بالحياة، هو إعلان عن البقاء والأمان والترابط، أما اطلاق الرصاص، فهي في جوهرها أداة للموت والدمار، وان استخدامها في سياق الفرح هو محاولة عقيمة وملتوية لتحويل أداة الموت إلى أداة حياة، وكأننا نحاول إشعال شمعة بقنبلة يدوية، فالنتيجة ستكون دماراً وقتلاً.
في كل مناسبة يطلق فيها الرصاص، تتحول لحظة البهجة إلى ترقب ورعب، فالطلقة الطائشة ليست كتأثير الالعاب النارية رغم خطورتها أيضاً.
قمة الحزن والمأساة أن طلقة طائشة تخترق جسد طفل، أو رجل عائد إلى بيته بعد يوم عمل شاق، أو يخترق جسد امرأة في شرفة بيتها، أو عريس في ليلة زفافه، حيث تتحول الزغاريد إلى صراخ، وينقلب الفرح إلى مأتم، ويسيل دم بريء.
إنها العادة السيئة المنفلتة من قيود القانون والاخلاق، تلك العادة التي تصنع القتلة و الضحايا في لحظة “احتفال”، فتغتال الفرح نفسه بتحويل ذكراه إلى عار وندم. إنها ليست مجرد عادة سيئة، بل هي خيانة للإرث الإنساني الطويل في التعبير عن الفرح، إرث بني على الحفاظ على الحياة وتمجيدها، لا على سلبها بتهور وغباء.
