بقلم : عبد الوهاب خليل
ما يجري في السويداء ليس مجرد أزمة أمنية عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة سوريا على الانتقال من منطق الصراع والانتقام إلى منطق الدولة والحل السياسي. وأي مقاربة جادة للملف يجب أن تتعامل مع جميع المتضررين، دون استثناء أو انتقائية، سواء من أبناء السويداء أو من العرب البدو والعشائر الذين تعرضوا أيضاً للقتل والنزوح والانتهاكات وفقدان الممتلكات.
إن المدخل الصحيح للحل يبدأ من وقف شامل وفوري لإطلاق النار، ووقف كل أشكال التحريض والانتقام، مع توفير ضمانات حقيقية لحماية المدنيين. فلا يمكن بناء الاستقرار على الخوف، ولا يمكن أن تكون هوية الضحية معياراً لتحديد قيمة الدم أو حجم المأساة.
وفي موازاة ذلك، لا بد من فتح تحقيق مستقل وشفاف في جميع الانتهاكات التي وقعت، ومحاسبة المسؤولين عنها أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها. كما يجب معالجة ملفات المفقودين والمعتقلين والمخطوفين، وإعادة الممتلكات وتعويض المتضررين، وتأمين عودة النازحين من أبناء السويداء والعرب البدو إلى مناطقهم بصورة آمنة وكريمة.
أما أمنياً، فالحل لا يكون بإلغاء الدولة ولا بفرضها بالقوة. المطلوب ترتيب أمني تدريجي يشارك فيه أبناء المنطقة، ويقود في نهايته إلى حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، مع ضمانات واضحة تمنع تكرار الانتهاكات وتحمي السكان من أي تجاوز.
وسياسياً، تحتاج السويداء إلى تمثيل حقيقي وفاعل لأبنائها، بما في ذلك مختلف المكونات الاجتماعية والعشائرية، ضمن إطار إدارة محلية قوية ولامركزية إدارية تحافظ في الوقت نفسه على وحدة سوريا وسيادتها.
كما أن أي حل مستدام يجب أن يمنع تحويل السويداء إلى ورقة في الصراع الإقليمي، أو إلى منطقة نفوذ لأي قوة خارجية. فمصلحة أبناء السويداء والعرب البدو، قبل غيرهم، هي في الأمن والاستقرار والعيش الكريم، لا في استمرار المواجهة أو الارتهان للمحاور.
إن السويداء اليوم أمام خيارين: إما أن يستمر منطق الثأر، فيتحول الجرح إلى صراع مفتوح بين أبناء المنطقة، أو أن تتحول المأساة إلى فرصة لتسوية تاريخية تقوم على العدالة والمصالحة وضمان الحقوق.
والحل العادل ليس أن ينتصر طرف على طرف، بل أن ينتصر السوريون على منطق الفتنة؛ فلا غالب ولا مغلوب، ولا دم أغلى من دم، ولا حق يُصان على حساب حق آخر. فالسويداء تحتاج إلى دولة تحمي جميع مواطنيها، ومصالحة تنصف جميع ضحاياها، ومستقبل لا يُبنى على الانتقام بل على الشراكة والعدالة
