تواجه الحركة السياسية الكوردية روجآفا منعطفاً تاريخياً حرجاً بعد مرور ما يقارب سبعة عقود على انطلاقتها. وفي وقت تعيش فيه المنطقة تحولات ميدانية وسياسية متسارعة، يبرز جدل داخلي محتدم بين النخب والفعاليات الكوردية حول جدوى الهياكل الحزبية الحالية، وسبب الانقسامات المستمرة، ومدى الحاجة إلى تأسيس حركات جديدة أو الاعتماد على الحاضنة الشعبية المباشرة لإدارة المرحلة الراهنة .

أزمة العقلية السياسية وغياب الحزب الريادي
يرى الكاتب “عبد الوهاب براني ” أن المشكلة الأساسية في المشهد الكوردي السوري لا تكمن في القدرة على تمثيل الشعب، بل في ظاهرة “التضخم الحزبي” والانقسامات المستمرة التي طالت الأحزاب “الأم” بمختلف توجهاتها اليمينية، واليسارية، والوسطية.
المبادئ الأخلاقية مقابل الانقسام العملي
ويشير براني إلى وجود فجوة عميقة بين التنظير والممارسة، مستعرضاً أبرز معوقات العمل الحزبي الحالية:
عقبة العقلية الإقصائية: عدم تقبل الأطراف لبعضها البعض، ورؤية كل جهة لنفسها بمنأى عن الأخرى.
غياب الحزب الطليعي: عجز الأحزاب الحالية عن لم شمل الشارع الكوردي بجميع فئاته (شباب، نساء، طلاب) في إطار هيكل ريادي متكامل.
الحاجة للمراجعة والصدق: يؤكد براني أن المخرج ليس بتأسيس أحزاب جديدة تكرر البرامج ذاتها، بل في مراجعة الأحزاب القديمة لأدائها، وتبني مبادئ الصدق، والمصداقية، والشجاعة في التعبير عن الواقع، وتقديم مصلحة الشعب على المكاسب الحزبية.
خلاصة موقف براني: “أثبت التاريخ الكوردي أنه عندما تتوحد القيادة والمرجعية السياسية، يلتف الشعب حولها بقوة ويتجاوز كل الخلافات والنظرية خلف ظهره.”

التبعية الخارجية والدعوة لمظلة وطنية مستقلة
من زاوية أخرى، يربط المحلل محمود جميل الأزمات الراهنة في روجآفا بحالة التشتت والارتباطات الخارجية للأحزاب القائمة، مشيراً إلى أن القرار السياسي في المنطقة بات مسلوباً أو خاضعاً لإملاءات محاور كردستانية خارج الحدود السورية.
خارطة طريق لبناء حركة جديدة
كبديل للواقع الحالي، يطرح جميل رؤية لتأسيس حركة كردية جديدة كلياً تقوم على الأسس التالية
الاستيعاب والشمولية ضَمّ كافة الأنشطة السياسية، منظمات حقوق الإنسان، المستقلين، المثقفين، والسياسيين تحت مظلة واحدة.
البرنامج الجامع صياغة برنامج سياسي شامل يحتوي كل التوجهات دون إقصاء.
استقلالية القراربناء مرجعية وطنية سيادية تتخذ قراراتها بناءً على مصلحة روجآفا وشعبها، مع الترحيب بالتنسيق مع بقية الأجزاء الكوردستانية دون الخضوع لإملاءاتها.

تجاوز الهياكل الحزبية واعتماد “القيادة الشعبية”
في مقابل الطروحات الداعية للإصلاح الحزبي أو التأسيس الجديد، يتبنى عبد الحميد عيسى موقفاً راديكالياً يرى عدم وجود أي ضرورة لتأسيس أحزاب جديدة، معتبراً أن الشعب في شمال وشرق سوريا قد تجاوز هذه الصياغات التقليدية.
وحدة الدم والمكونات
ويوضح عيسى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الاعتماد على الذات وإدارة الشؤون مباشرة، استناداً إلى المعطيات التالية:القيادة الحقيقية للشعب: الشعب بات يمتلك زمام المبادرة والقدرة على تنظيم نفسه بفضل الوعي التراكمي.
شرعية التضحيات: المكتسبات المحققة على الأرض هي نتاج دماء الشهداء، وهي التي أسست لوحدة وطنية حقيقية وعميقة.
العيش المشترك العابر للقوميات: يرى عيسى أن التلاحم لم يعد كردياً فحسب، بل تحول إلى واقع ملموس يربط كافة مكونات المنطقة من (كرد، عرب، أرمن، وسريان)، وهو ما يجعل أي حزب جديد مجرد أداة لزيادة التشتت وتكرار تجارب الماضي الفاشلة.
يظهر رصد الآراء السياسية في الشارع الكوردي السوري إجماعاً على تشخيص الأزمة (التشتت وغياب المرجعية الموحدة)، لكن الاختلاف يظل جوهرياً حول أدوات الحل. فبينما يرى تيارٌ ضرورةَ غربلة البرامج الحزبية القديمة والالتزام بالمصداقية الأخلاقية، وتيار ثانٍ يطالب بهيكلية سياسية شاملة ومستقلة عن المحاور الإقليمية، يجد التيار الثالث أن الحل يكمن في تجاوز الفكر الحزبي الضيق والالتفاف حول الوحدة الوطنية والمجتمعية التي صاغتها التضحيات الميدانية للمكونات كافة. يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستجيب النخب السياسية لنبض الشارع، أم سيبقى التشرذم سيد الموقف؟
تقرير : أميرة إبراهيم /محمود عيسى
