بقلم: محمود عيسى
على رصيف الانتظار، في ذلك المكان الذي شهد خُطى العابرين وقصص السفر والترحال، ترتفع الحروف لتذكرنا دائماً بالوجهة الوحيدة التي لا تحيد عنها بوصلة قلوبنا: “رأس العين.. Serê Kaniyê”. هذه الكلمات ليست مجرد وجهة مكتوبة على لوحة كراج أو محطة، بل هي عهد مكتوب بالحديد ومحفور في وجدان كل من تذوق مرارة الشتات.
رأس العين، تلك البلدة الكوردية العتيقة باسمها الضارب في عمق الأرض والتاريخ “سري كانيه” (رأس النبع)، لم تكن يوماً مجرد بيوت وحجارة، بل كانت الحاضنة الدافئة والتاريخ الحي المتجذر في تفاصيل الجزيرة. فمن ينابيعها التي منحتها الاسم والحياة، تشكلت هوية لا يمكن لسنوات النزوح القاسية أو محاولات التغيير أن تمحوها؛ فالمدن التي تُبنى على الينابيع، تظل جذورها حية تحت الأرض مهما اشتد الجفاف أو طال الغياب.
يمتزج في حلم العودة طعم الدمع الساخن بمرارة الوجع اليومي؛ فالنزوح ينهش الأرواح، وتزداد قسوته كلما تغيرت الفصول ونحن بعيدون عن ديارنا. ونحن نعلم يقيناً، وبكل واقعية، أنه ربما لم يتبقَ من بيوتنا وشوارعنا القديمة شيء سوى جدران صامتة متصدعة، أو أطلال تذروها الرياح. لكن إعادة بناء الحجر أهون بآلاف المرات من العيش في منافٍ تسلبنا ملامحنا؛ لذلك، فالعودة هي التزام مقدس.
إن الرحلة التي بدأت يوماً من محطات الانتظار وكراجات السفر، لن تنتهي إلا هناك، في الشوارع التي تحتفظ بأصواتنا وضحكاتنا، وتحت السماء التي ألهمت أجدادنا معاني الصمود والبقاء.
سري كانيه.. نحن على العهد، وعائدون.

