بقلم : آراس مرعيكا
في قامشلو، لم ألتقِ تقريباً بشاب لا يفكر بالسفر. كان الأمر يتكرر في كل مكان؛ في المقاهي، وفي الأسواق، وفي المؤسسات، وحتى في الجلسات العائلية البسيطة.
لم يعد السؤال الذي يشغل الشباب: ماذا سأصبح في المستقبل؟ بل: كيف سأغادر؟
ألمانيا، هولندا، السويد، كندا… أسماء تتردد على ألسنة الشباب أكثر مما تتردد أسماء المدن السورية نفسها، وكأن جزءاً كبيراً من هذا الجيل لم يعد يعيش هنا إلا بجسده، بينما يعيش عقله وقلبه في مكان آخر؛ خلف بحر، أو حدود، أو سفارة مغلقة.
في قامشلو، لا يبدو السفر مجرد خيار، بل أصبح بالنسبة لكثيرين مشروع الحياة الوحيد؛ شاب يدرس لأنه يعتقد أن الشهادة قد تساعده على الهجرة، وآخر يتعلم لغة أجنبية لا حباً بالثقافة بل استعداداً للمغادرة، وثالث يعمل سنوات طويلة في مهنة لا يحبها فقط ليجمع المبلغ الذي قد يفتح له طريقاً نحو أوروبا.
شعرت بالحزن وأنا أرى مدينة كاملة تفقد أبناءها بالتدريج؛ فكل بيت تقريباً لديه ابن في ألمانيا، أو أخ في السويد، أو زوج ينتظر موعد اللجوء في مكان ما، حتى أصبحت الغربة جزءاً من الحياة اليومية، وصار الوداع حدثاً عادياً يتكرر أكثر مما ينبغي.
لكن ما لفت انتباهي أكثر من الرغبة في السفر، هو حجم الصورة المثالية التي يحملها كثيرون عن أوروبا؛ كانت أوروبا بالنسبة للبعض أشبه بفكرة أكثر منها مكاناً حقيقياً، مكان لا يوجد فيه فساد، ولا فقر، ولا عنصرية، ولا وحدة، ولا خيبات، وكأن الحياة هناك تبدأ من النقطة التي توقفت عندها الأحلام هنا.
ربما يعود ذلك إلى أن الناس في هذه المدينة تعبت كثيراً؛ فأربعة عشر عاماً من الحرب والأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية كافية لأن تجعل الإنسان يبحث عن الخلاص في أي مكان آخر، وعندما يطول الانتظار، يصبح البعيد أجمل مما هو عليه في الواقع.
ربما المشكلة لم تعد في السفر نفسه، بل فيما فقده الشباب هنا؛ فالإنسان لا يحلم بالرحيل عندما يشعر أن له مكاناً في مدينته، ولا يفكر بمغادرة وطنه عندما يرى مستقبله أمامه، لكنه يبدأ بالنظر إلى الخارج عندما يفقد ثقته بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.
المؤلم أن كثيراً من الشباب لم يعودوا يؤجلون السفر فقط، بل يؤجلون الحياة كلها؛ يؤجلون الزواج حتى يسافروا، يؤجلون المشاريع حتى يسافروا، يؤجلون أحلامهم وأفراحهم وحتى قراراتهم المصيرية لأنهم ينتظرون سفراً قد يأتي وقد لا يأتي، وهكذا تتحول سنوات كاملة إلى قاعة انتظار كبيرة.
جيل كامل يعيش بين حقيبتين: حقيبة لم تُحزم بعد، وحقيبة لم تصل بعد.
ومع مرور الوقت، بدأت أشعر أن أخطر ما يحدث ليس هجرة الشباب بحد ذاتها، بل هجرة الأمل من داخلهم؛ فالمدن لا تخسر أبناءها فقط عندما يغادرونها، بل تخسرهم أيضاً عندما يتوقفون عن الإيمان بها وهم ما زالوا يعيشون فيها.
ورغم كل ذلك، بقيت أرى في بعض الوجوه شيئاً مختلفاً؛ شباباً يحاولون بناء مشاريع صغيرة، أو تأسيس مبادرات ثقافية، أو خلق فرص عمل، أو الإيمان بأن البقاء ليس دائماً مرادفاً للهزيمة. هؤلاء كانوا الأقل ضجيجاً، لكنهم ربما الأكثر أهمية.
فالمجتمعات لا تُبنى فقط بمن يرحلون بحثاً عن حياة أفضل، بل أيضاً بمن يقررون —رغم كل شيء— أن يمنحوا الحياة فرصة أخرى في المكان الذي ولدوا فيه.
وفي النهاية، لا ألوم من يريد السفر، ولا ألوم من يريد البقاء؛ فلكل إنسان أسبابه وظروفه وأحلامه.
لكنني أتمنى أن يأتي يوم لا يكون فيه السفر حلماً للهروب، بل مجرد خيار من بين خيارات كثيرة؛ يوم يشعر فيه شباب قامشلو أن بإمكانهم أن يحلموا هنا أيضاً، لا أن يتركوا أحلامهم كلها معلقة خلف حدود بعيدة.
