بقلم أمينة عيسى
يعيش الكثير من الشباب السوري حالة ترقب اتجاه مستقبلهم، وفي ظل الصراع الذي يلامس قراراتهم بجميع تفاصيلها، يبحثون عن بوصلة تأخذهم إلى شط الأمان، وقد يتخلون في رحلة اتخاذ القرار عن جزء من أنفسهم، ويتركون تلك الأجزاء تتصارع على الدوام.
إنها ليست مجرد حالة ترقب، بل هاجس يراودهم كل صباح؛ يبدأ من تلك الأرقام المرعبة لأدنى احتياجاتهم، التي تتضخم أسعارها بين الفينة والأخرى دون أي رقيب، مما يمنعهم من رؤية أي بصيص أمل.
وقدما الشاب التي تسوقه كل صباح وتجعله ينهض وينفض غبار المعطيات البائسة، تجعله يتوه أيضاً بين البقاء في أرضه الأم، وبين إرضاء غروره الذي يسبقه في اقتناء الأشياء الثمينة؛ تلك الأشياء التي باتت مفرغة من كل شيء سوى أنها الفارق الذي يحدد المستوى الطبقي الذي قد ينتمي إليه حقاً، أم أنه يدعي ذلك.
جمة هي أسباب مشكلة البطالة في هذه الرقعة الجغرافية التي وضعنا القدر ضمنها، وأبرزها الحرب التي دقت طبولها منذ أكثر من عقد من الزمن، ولا زالت آثارها تتجذر في مصيرنا وتقيده بألف قيد.
وكذلك استغلال أصحاب النفوذ لتلك الطاقة البشرية الهائلة، ووضعهم في خانات ضيقة حينما يفرضون شروط عمل قاسية عليهم؛ تبدأ من المعاملة الخالية من الإنسانية، وتنتهي بأجور بخسة لا تكفي ثمن علبة سجائر باتت المتنفس الوحيد للشباب السوري، واضعين بذلك صحة أجسادهم في الرف الأدنى من الأولويات.
والسبب الأكثر شيوعاً للبطالة هو تدني قيمة التعليم، ويشكل ذلك أخطر العوامل التي جعلت الشاب السوري يشهد هوة كبيرة بين الفرص التي كان يتوقع العثور عليها وبين الواقع؛ خاصة فيما يتعلق بالأجور المتدنية وعدم توافقها مع الحد الأدنى للمعيشة، وشكل ذلك شرخاً كبيراً ضمن المؤسسات الحكومية حينما لم يجد فيها أصحاب الشهادات الجامعية ضالتهم.
شكلت جميع تلك الأسباب واقعاً خالياً من الأمل لدى الفئة الغالبة من المجتمع والأكثر فاعلية، وهي فئة الشباب، وصقلت ملامح مجهولة للحالة الطبيعية التي يجب أن يكون عليها الإنسان. وأصبح الشباب السوري يركز على فرصة النجاة الوحيدة وهي السفر؛ ليتخلص بذلك من تلك المعاناة التي ترهقه جسدياً، وفكرياً، ونفسياً، دون أن تشعره أنه كائن يحظى بأدنى درجات الكرامة. فيبدأ حينها دوامة البحث عن سبل السفر التي لا تُعد ولا تُختزل طرقها، والتي يستبيح فيها كل شيء أحياناً، حتى خسارة الروح، وخسارة كل ما يملك من مال، خاصة حينما لا يحالفه الحظ في العثور على طرق شرعية للسفر، والتي باتت ضئيلة حقاً بعد الكثير من التغيرات في القوانين على المستويين العالمي والمحلي.
إنها معادلة غير متكافئة الطرفين؛ حين تقارن بين مكان يمنحك المناخ الطبيعي تبحث فيه عن فرصة بقاء متخلياً عن ذاتك، وبين واقعك المرير الذي يتضخم فيه كل شيء بشكل جنوني، بدءاً من الأسعار والإيجارات، والمأكل والمأوى، والوقود، وحتى النفايات. وبات محظوظاً من يجد فرصة النجاة بالسفر، كمن كان عالقاً في عنق الزجاجة.
هذا هو واقع الحال الذي بات يجب أن نتعايش معه، ولا ضير أن نحاول تسليط الضوء على جذور المشكلة، فكما يقول المثل: “بحصة بتسند جرة”، ونبدأ لنستنير منها إلى طريق نحاول عبره أن نمسك زمام الأمور من جديد، لعلنا بذلك نُجمّل من مشهد الواقع المرير بعين الحقيقة المرة، ولا نعول في الحل على غيرنا دوماً، بل نصغي لبعضنا لنعيد بعثرة تلك الطاقات المهدورة.
وحينما نتعمق في صميم عقول شبابنا وقلوبهم، نجدها متجذرة تماماً بواقعهم ولا يفضلون التخلي عنه بسهولة؛ إنهم قنوعون ترضيهم نسمات ربيعية تلفحهم في بداية الفصل، وكأنهم يتوارثون ذلك التعلق عبر الأجيال، الذي يبدأ بفنجان قهوة مع الأصدقاء، واحتساء كوب الشاي مع العائلة، ورحلة البحث عن عمل، ونقاشات سرمدية حول نتائج المباريات التي باتت تهمهم أكثر من نتائج الانتخابات التي تقام في مدنهم؛ لأنهم فقدوا الثقة بهؤلاء الناس الذين أطلقوا على أنفسهم اسم “النخبة”، وباتت مصالحهم تقودهم لا ضمائرهم.
كيف لا يخلق هذا الواقع الخالي من الأمل للشباب الذين هم في أوج العنفوان نتائج سلبية؟ وهي نتائج تعود عليهم أولاً بالضرر بشكل شخصي، وتتجذر ثانياً في مجتمعهم، وتجعلنا أمام الكثير من الأزمات التي تبدأ بالانحراف وارتكاب الأخطاء الجسيمة التي لا يمكن حصرها؛ ومنها الانجرار وراء مصادر دخل غير مشروعة كترويج المخدرات مثلاً، أو بيع الأسلحة، أو حتى الاتجار بالبشر، وما قد تخلفه تلك الطرق من انحلال في الأخلاق وحدوث شرخ آخر في المجتمع يحتاج إلى عشرات السنين لتخفيف آثاره.
وفي الختام، وكما ذكرنا سابقاً، لا يجب أن نعول فقط على أنفسنا أو على الآخرين لإيجاد الحلول ولخلق فرص عمل نحو واقع أفضل، بل يجب أن يبدأ كل منا من مكانه بروح المسؤولية وبروح المبادرة؛ لحشد الطاقات ولتغيير الواقع والقوانين، ولإصدار تشريعات داعمة للفئة الشابة ومشاركتهم بأنفسهم في رحلة التغيير، لتبديد شبح البطالة الذي بات يهدد أمن مجتمع بأكمله.
