كتبتُ إلى هفرين خلف في الأيام الأولى بعد استشهادها، حين كان وقع الفقد أقوى من الكلمات، وكانت الأسئلة تختلط بالألم والغضب والشعور بحجم الخسارة. ثم عدتُ إليها في زيارة إلى منزل عائلتها، حيث امتزجت الذكريات بوجع الغياب، وشعرتُ بأن الحزن وحده لا يكفي، وأن ما يجمعنا بها أكبر من لحظة الفقد.
واليوم، بعد سبع سنوات، أعود إلى هفرين من جديد، لا لأكرر ما كتبته آنذاك، بل لأتساءل عمّا فعلناه بالحلم الذي جمعنا، وهل تقترب سوريا اليوم من الصورة التي أردناها لها.
لم تكن هفرين خلف مجرد شخصية سياسية اغتيلت في واحدة من أقسى لحظات الصراع السوري. كانت تؤمن بأن السياسة مسؤولية تجاه الإنسان وكرامته ومستقبله، وأن سوريا يمكن أن تكون وطناً يتسع لجميع أبنائه، لا يُقصى فيه أحد بسبب هويته، ولا يتحول اختلاف القوميات والثقافات إلى سبب للعداء والانقسام.
ولعل السؤال عن حلم هفرين يصبح أكثر إلحاحاً اليوم، لأن سوريا تقف أمام منعطف تاريخي. فسقوط نظام الأسد فتح الباب أمام إمكانية بناء دولة جديدة، لكنه لا يضمن وحده أن تكون هذه الدولة مختلفة عن سابقتها. فالتغيير الحقيقي لا يُقاس بتبدل السلطة فحسب، بل بقدرتنا على بناء دولة تحمي الحقوق، وتضمن المواطنة المتساوية، وتتيح للسوريين المشاركة في تقرير مستقبلهم.
ومن هنا، فإن التحدي لا يقتصر على إنهاء الانقسام العسكري والمؤسساتي، بل يتمثل في بناء شراكة حقيقية تنقل السوريين من الصراع إلى الاعتراف المتبادل. وهذا يقتضي أن تكون وحدة سوريا قائمة على الحقوق والمواطنة، وأن تجد القضايا القومية والثقافية مكانها في الدستور والحياة العامة، وأن يشارك السوريون بمختلف مكوناتهم ومناطقهم في رسم مستقبل بلدهم.
فالدولة التي نريدها لا تُبنى بفرض نموذج واحد على الجميع، ولا بإنكار التنوع الذي يشكل حقيقة المجتمع السوري، بل بضمان الكرامة والمساواة، وتوزيع عادل للصلاحيات والموارد، ومشاركة فعلية في إدارة الشؤون العامة. فالمهم ليس الاسم الذي نختاره لشكل الدولة بقدر ما هو قدرتها على حماية الحقوق، ومنع عودة الاستبداد، وتحويل التعددية من مصدر للخوف إلى أساس للحياة المشتركة.
لكن الطريق إلى سوريا التي حلمنا بها لا يمر عبر التفاهمات السياسية وحدها؛ فهناك جرح لا يمكن تجاوزه من دون عدالة. وبعد سبع سنوات على اغتيال هفرين، يبقى كشف الحقيقة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون حقاً لا يسقط من وجدان الضحايا وذويهم. فالعدالة ليست انتقاماً، بل شرط لبناء الثقة، ورسالة بأن حياة السوريين وكرامتهم ليستا أمراً يمكن التفريط فيهما.
ومع ذلك، فإن الوفاء لهفرين لا ينبغي أن يبقى أسير استعادة الجريمة والحزن عليها. الوفاء الحقيقي يبدأ حين نسأل أنفسنا: هل نفتح أبواب الحوار أم نعيد إنتاج الانقسام؟ هل نبني مؤسسات تتسع للجميع أم نكتفي بالمطالبة بحقوقنا؟ وهل نستطيع أن نجعل من اختلافنا بداية لتفاهم جديد، بدلاً من أن نجعله ذريعة لاستمرار الصراع؟
قد لا تتحقق سوريا التي حلمنا بها دفعة واحدة، وقد تكون الطريق إليها أطول مما تمنينا. لكن كل حق يُصان، وكل مساحة تُفتح للحوار، وكل خطوة تقرّب السوريين من بعضهم، هي جزء من الطريق الذي لا يجوز أن نتخلى عنه.
هفرين، بعد سبع سنوات، لا أعود إليك لأقول إننا وصلنا إلى سوريا التي حلمنا بها، بل لأقول إن الطريق إليها ما زال مفتوحاً، وإن مسؤوليتنا ألا نتركه يُغلق. ربما لم نحقق الحلم بعد، وربما لن يتحقق دفعة واحدة، لكن بإمكاننا أن نجعل كل خطوة صادقة في اتجاهه جزءاً من إرثك؛ إرث لا يختصره يوم استشهادك، بل يمتد في كل محاولة لبناء وطن يتسع لجميع أبنائه.
إن سوريا التي أردناها لا تُبنى باستعادة ما فقدناه وحده، بل بما ننجح في تأسيسه معاً: دولة تحمي الحقوق، وتصون التعددية، وتضمن الشراكة والكرامة لجميع السوريين. فالحلم الذي استشهدت من أجله هفرين لن يصبح واقعاً بمجرد أن نتذكره، بل حين نحوله، خطوة بعد خطوة، إلى حقوق ومؤسسات وحياة مشتركة.
إلى هفرين، وإلى كل من آمن بأن سوريا يمكن أن تكون وطناً لجميع أبنائها: لم نصل بعد، لكن الطريق لا يزال أمامنا. فلنبدأ بما نستطيع، ولنحمِ كل خطوة صحيحة، ولنجعل من الأمل عملاً، ومن الذاكرة مسؤولية، ومن العدالة حقاً، ومن الحلم مشروعاً يتقدم نحو الحياة.
