بقلم: كوردستان يوسف
في الثالث والعشرين من أيلول، عام ألفين، وفي سقز، تلك المدينة الكردية التي تخفي حزنها في شموخ الجبال وتعلق أحلامها على أجنحة الريح، ولدت طفلة صغيرة… أراد أهلها أن يمنحوها اسماً يشبهها، فاختاروا لها “جينا”، الاسم الكردي الذي يعني الحياة، كأنهم قالوا للعالم منذ اللحظة الأولى أن هذه الطفلة لم تأت لتموت، جاءت لتعلم الحياة ماهي الحياة. لكن نظام الملالي لم تسمح للاسم أن يولد معها. .كتبوه في الأوراق “مهسا”، اسماً فارسياً يعني جميلةً كالقمر، أما في البيت، فكانت جينا. وفي قلب أمها، كانت جينا. وعلى شاهد قبرها، حين صار للقبر شاهد، عادت إلى اسمها الأول، الاسم الذي لم تستطع الأوراق أن تمحوه، ولم تستطع السلطة أن تنتزعه من الذاكرة.كانت في الثانية والعشرين من عمرها.. فتاةً تشبه فتيات هذا العالم، أنهت دراستها الثانوية وكانت تستعد لدخول الجامعة، لتدرس الأحياء الدقيقة في جامعة أورميا، أمامها كتب لم تفتح بعد، ومقاعد تنتظر خطواتها، وأحلام صغيرة تكبر كل صباح. وربما حب لم يأت بعد، وبيوت لم تطأها، وأطفال لم تحملهم يوماً.لم تكن تبحث عن بطولة، ولم تكن تعرف أن اسمها سيصبح يوماً هتافاً في شوارع المدن وساحات العالم.وفي الثالث عشر من أيلول، عام ألفين واثنين وعشرين، سافرت إلى طهران برفقة شقيقها الأصغر كياراش، لتزور أقاربها قبل بدء عامها الجامعي، لم تكن تعرف أن المدينة التي دخلتها عابرةً ستصبح آخر مدينة تراها، هناك وفي محطة المترو اعترضتها شرطة الإرشاد بسبب ما وصفته بحجاب غير لائق…حاول شقيقها أن يشرح أنهما من خارج طهران، وأنهما لا يعرفان تفاصيل القواعد المفروضة في العاصمة، لكن الكلمات لم تجد أذناً تسمعها، اقتيدت جينا. وفي لحظة واحدة انفتح باب لم تكن تعرف أنه يقود إلى الغياب.بعد ساعات، خرجت الأخبار المرتبكة عن فتاة شابة في غيبوبة، فتاة نقلت إلى المستشفى، فتاة لم تعد تعرف طريقها إلى بيتها. قالت السلطات إن ما حدث نتيجة مشكلة صحية مفاجئة، ونفت تعرضها لسوء المعاملة، لكن بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة خلصت لاحقاً إلى أن وفاتها لم تكن طبيعية، وربطتها بالعنف الذي تعرضت له أثناء احتجازها.وفي السادس عشر من أيلول، انطفأ جسد جينا، لم تكمل عامها الثالث والعشرين ..ثلاثة أيام فقط كانت تفصلها عن عيد ميلادها، كان يمكن لأمها أن تعد الكعكة، وأن تشتري شمعة، وأن تنتظر ابنتها عند الباب.. كان يمكن لجينا أن تضحك وأن تلتقط صورة، وأن تفتح كتابها الجامعي الأول، وأن تخط على هامش صفحة اسمها الكردي الذي حرمته الدولة من الورق. لكن الموت كان أسرع من كل الأحلام.ومنذ ذلك اليوم، لم تعد جينا فتاةً من سقز فقط.. صارت سؤالاً.. لماذا جينا؟ ولماذا كان عليها أن تدفع حياتها ثمناً لخصلة شعر تمردت على الحجاب؟ ربما لأن جينا لم تكن استثناءً. .كانت واحدةً من آلاف النساء اللواتي وجدن أجسادهن في مواجهة سلطة تريد أن تقرر لهن كيف يخرجن، وكيف يلبسن، وكيف يظهرن في الشارع، وكيف يعشن.. لكن جينا لم تعد، وهنا اتسع استشهاد فتاة واحدة ليحمل وجع كثيرات.كانت جينا كرديةً أيضاً،وهذا الاسم، “جينا”، لم يكن مجرد اسم شخصي، بل كان يحمل ذاكرة لغة وهوية وثقافة. اسم أراد أهلها أن يكتبوه على شهادة ميلادها، فلم يجد مكاناً في السجل الرسمي، فظل حياً في البيت، وفي اللسان، وفي قلب الأم.وحين استشهدت جينا، حدث شيء غريب… الاسم الذي منعته الأوراق من الظهور، صار مكتوباً في قلوب الملايين.ژن، ژیان، ئازادی.المرأة، الحياة، الحرية.ثلاث كلمات خرجت من عمق التجربة الكردية، وحملت معها تاريخاً طويلاً من مقاومة القهر، قبل أن تعبر الحدود وتصبح هتافاً في شوارع إيران والعالم. كأن الكلمات الثلاث كانت تبحث عن جسد كي تسكنه، فوجدت جسد جينا، ثم خرجت من قبرها إلى الشوارع والميادين. لم يكن الشعار مجرد كلمات تهتف بها الحناجر، كان اختصاراً لحلم كامل: حلم امرأة تريد أن تستعيد حقها في جسدها، وفي اسمها، وفي صوتها، وفي الطريق الذي تمشيه.لكن خلف الشعار كانت هناك جينا.. الإنسانة، وهذا ما يجب ألا ننساه فمن السهل أن تتحول الضحية إلى صورة، وأن يتحول الإنسان إلى رمز، وأن يصبح الاسم أكبر من صاحبه حتى ننسى أن خلفه قلباً كان ينبض.كانت جينا تحب الحياة. كانت تريد الجامعة.. كانت تريد المستقبل، وربما كانت تحلم بغرفة صغيرة، بكتاب جديد، بفنجان شاي مع أمها، بضحكة مع شقيقها، برحلة أخرى، بسنوات كثيرة لم تأتي، لم تكن تعرف أنها ستصبح صورةً على جدار… لم تكن تعرف أن فتيات في مدن بعيدة سيرفعن صورتها، وأن نساءً لا يعرفن لغتها سينطقن اسمها، وأن شعراء وشاعرات سيكتبون عنها، وأن أمهات سيبكينها كما لو كانت ابنتهن, ولم تكن تعرف أن العالم سيتعلم اسم “جينا”كانت فقط تريد أن تعيش.لهذا تبدو قصتها موجعةً إلى هذا الحد لأنها ليست قصة بطلة أسطورية اختارت المجد، بل قصة فتاة عادية سرق منها المستقبل.. فتاة كان يمكن أن تكون أختنا، ابنتنا، صديقتنا، جارتنا. وكان يمكن أن تكون أي واحدة منا.بعد استشهاد جينا، خرجت المدن الإيرانية عن صمتها، ارتفعت الأصوات من سقز وسنندج إلى طهران ومدن أخرى، خلعت النساء خوفهن في الشوارع، وخرج الرجال إلى جانبهن، وصار اسم جينا جزءاً من ذاكرة حركة واسعة حملت شعار “المرأة، الحياة، الحرية”. قمعت الاحتجاجات، وسقط قتلى واعتقل كثيرون، لكن الذاكرة لم تعد إلى مكانها الأول، فالأفكار حين تخرج من أفواه الناس لا تعود بسهولة إلى القفص.وفي أيلول، عام ألفين وثلاثة وعشرين، منح البرلمان الأوروبي جينا أميني وحركة “المرأة، الحياة، الحرية” جائزة ساخاروف لحرية الفكر. كان العالم يمنح الجائزة للاسم الذي حاولت الأوراق الرسمية أن تخفيه. لكن أم جينا لم تكن بحاجة إلى جائزة كي تعرف من تكون ابنتها.. كانت تعرفها قبل أن تصبح رمزاً.. تعرف يديها، صوتها، ضحكتها، خطواتها في البيت، أحلامها الصغيرة، وملامح وجهها حين كانت تستعد للخروج، الأم لا ترى في ابنتها شعاراً.. تراها طفلة ولهذا ظل وجع امها موكجان افتخاري مختلفاً عن كل الكلمات التي قيلت عن جينا.. العالم وجد في ابنتها رمزاً، أما الأم فقدت ابنتها، وبين الرمز والابنة هناك قبر. وهناك أم تنتظر، رغم أنها تعرف أن الانتظار لن يعيد أحداً.ربما لهذا بقي اسم “جينا” حياً لأن بعض الأسماء لا تموت حين يموت أصحابها، بعض الأسماء تبدأ حياتها الحقيقية بعد الموت، واسم جينا واحد منها. السلطة استطاعت أن تمنع الاسم من شهادة الميلاد، لكنها لم تستطع منعه من الذاكرة.. استطاعت أن تنهي حياة فتاة، لكنها لم تستطع أن تنهي معنى الحياة الذي حمله اسمها.رحلت جينا في الثانية والعشرين…لكن “جينا”، الحياة، بقيت تمشي في الشوارع.. في صوت امرأة ترفض الخوف… في يد فتاة تمسك شعرها في مهب الريح.. في أم تروي حكاية ابنتها.. في طفل يتعلم أن الحرية ليست كلمةً بعيدة.. وفي كل إنسان يقول، بصوت عال أو في سر قلبه، إن الحياة ليست منحةً تمنحها سلطة، ولا ثوباً تحدد السلطة شكله، ولا اسماً تختاره الأوراق…الحياة حق.
