بقلم : رياض درار
“قسد” قوة ولدت في ظروف الحرب، ثم تحولت من تشكيل عسكري إلى سلطة أمر واقع، وأنشأت مؤسسات مدنية وأمنية وإدارية، قبل أن تعود اليوم إلى إطار الدولة السورية. وهذا توصيف مهم، لكنه لا يكفي وحده لإنصاف التجربة. فـ«قسد» لم تظهر من فراغ، ولم تكن قصتها مجرد مشروع انفصالي يبحث عن أرض. لقد نشأت في لحظة انهيار الدولة السورية في أجزاء واسعة من البلاد، وفي ظل حرب مفتوحة وصعود تنظيم داعش، ثم أصبحت شريكاً رئيسياً في الحرب عليه. ومع سقوط آخر معاقله في الباغوز عام 2019، وجدت نفسها أمام سؤال لم تكن قد تأسست أصلاً للإجابة عنه: ماذا نفعل بالقوة التي صنعتها الحرب بعد أن تنتهي الحرب؟
هنا بدأت المرحلة الأكثر تعقيداً: تحولت القوة العسكرية إلى إدارة، والإدارة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى تجربة حكم محلي. ولذلك فإن اختزال التجربة في بعدها العسكري أو في علاقتها بالولايات المتحدة يظلم جانباً مهماً منها؛ فقد كانت أيضاً محاولة، بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، لإدارة مجتمع شديد التنوع في ظروف انهيار الدولة.
والأهم أن هذا المجتمع لم يكن كردياً فقط. فالجزيرة السورية فضاء عربي وكردي وسرياني وآشوري، وعشائري ومديني، وتاريخها أقدم من الحدود السياسية التي رسمتها المنطقة الحديثة. ولذلك فإن قيمة التجربة لا ينبغي أن تقاس فقط بما حققه الأكراد لأنفسهم، وإنما أيضاً بما إذا كانت قد أنتجت تصوراً جديداً للعلاقة بين المركز والمجتمع المحلي.
إنصاف الأحلام والآلام
بدأت قسد “قوات سوريا الديمقراطية”تحولها منذ نهاية العام 2015, وبعدها بوقت قصير عقد مؤتمر انبثق عنه الجسم السياسي الحامل لمشروع قسد وهو “مجلس سوريا الديمقرطية”- مسد.
لذلك من الإنصاف ألا نقرأ تجربة قسد بعين واحدة.
كان هناك حلم كردي مشروع بالاعتراف والحقوق والمواطنة واللغة والتمثيل السياسي، بعد عقود من سياسات الدولة السورية التي تعاملت مع المسألة الكورد ية بوصفها مشكلة أمنية أكثر مما تعاملت معها بوصفها قضية مواطنين وحقوق. وفي المقابل، كانت هناك مخاوف سورية حقيقية من تحول الإدارة الذاتية إلى كيان منفصل، ومن عسكرة المجال السياسي، ومن ارتباط المشروع بقوة خارجية.
كلا الأمرين ينبغي أن يُقال.
فالإنصاف لا يعني تبرئة قسد من أخطائها، كما لا يعني تجاهل مخاوف السوريين منها. لكنه يعني الاعتراف بأن الحقوق الكورد ية ليست مرادفاً للانفصال، كما أن وحدة سوريا ليست مرادفاً للمركزية. وهذه ربما أهم خلاصة يمكن استخلاصها من التجربة. من «قسد» العسكرية إلى «مسد» السياسية.
هنا تظهر أهمية مجلس سوريا الديمقراطية «مسد» بصورة أكبر من أي وقت مضى. إذا كانت قسد قد مثلت الذراع العسكرية التي حمت مساحة جغرافية في زمن الحرب، فإن «مسد» يستطيع أن يمثل الجسم السياسي الذي يحمل ما هو قابل للحياة من التجربة إلى سوريا المستقبل. وهذا التحول هو جوهر «نهاية المشوار وبداية الطريق». فالمطلوب لم يعد الحفاظ على جيش مستقل، ولا على حدود نفوذ، ولا على إدارة منفصلة، بل نقل المطالب التي نشأت في شرق الفرات إلى المجال السياسي والدستوري السوري: اللامركزية الإدارية والسياسية المتوازنة، المشاركة في القرار، الحقوق الثقافية واللغوية، الإدارة المحلية المنتخبة، التوزيع العادل للموارد، والمواطنة المتساوية.
وهذا ليس استنتاجاً بعيداً عن مسار الاتفاق نفسه؛ فاتفاق 10 آذار/مارس 2025 نص على ضمان مشاركة السوريين في العملية السياسية ومؤسسات الدولة، والاعتراف بالكورد جزءاً أصيلاً من الدولة السورية وضمان حقوقهم الدستورية، مع دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في الدولة ورفض التقسيم.
وفي آب/أغسطس 2026 في “مئوية القامشلي” أعلن مظلوم عبدي اكتمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة للإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة، معلناً الانتقال إلى مرحلة جديدة، مع استمرار المطالبة بتثبيت الحقوق الكوردية دستورياً.
الدرس السوري الأهم
ربما تكون القيمة التاريخية لتجربة قسد في أنها أعادت طرح سؤال اللامركزية السورية من الواقع، لا من الكتب. فبعد عقود من دولة شديدة المركزية، أظهرت الحرب أن الدولة التي لا تستطيع أن تكون موجودة في كل مكان تترك فراغاً تملؤه المجتمعات المحلية والقوى المنظمة. لكن التجربة أظهرت في الوقت نفسه أن استمرار السلطات المحلية المسلحة خارج الدولة لا يمكن أن يكون حلاً دائماً. إذن، الدرس ليس: إما الدولة المركزية أو قسد. بل: دولة واحدة و مؤسسات وطنية واحدة و صلاحيات محلية واسعة و مشاركة سياسية حقيقية. وهنا يمكن أن تتحول تجربة قسد من مشكلة سورية إلى جزء من حل سوري.
فالاتفاقات اللاحقة في 2026 اتجهت فعلاً إلى إعادة المؤسسات إلى الدولة، مع دمج العناصر العسكرية والأمنية في وزارتي الدفاع والداخلية، وإعطاء الحسكة ترتيبات تتصل بالتمثيل المحلي.
قسد لم تعد هي القضية
لهذا أعتقد أن الخطأ هو أن نسأل اليوم: ماذا سيحدث لقسد؟ السؤال الأهم: ماذا ستفعل سوريا بتجربة قسد؟ هل تعيد إنتاج المركزية القديمة، فتعتبر كل ما نشأ خلال الحرب خطراً يجب محوه؟ أم تستخلص منه ما يمكن أن يساعدها في بناء دولة جديدة؟
إن أفضل سيناريو هو: أن تنتهي قسد كصيغة عسكرية مستقلة، لكن لا تنتهي معها المطالب التي حملتها، ولا التجارب الإدارية التي راكمتها، ولا الشخصيات السياسية التي تستطيع الانتقال من منطق السلاح إلى منطق التفاوض والمؤسسات.
وهنا تحديداً يأتي دور مجلس سوريا الديمقراطية «مسد»: أن يتحول من ممثل سياسي للإدارة الذاتية إلى فاعل وطني سوري، يخاطب السوريين جميعاً، ويجعل اللامركزية مشروعاً سورياً لا مطلباً كردياً فقط.
من التجربة الكورد ية إلى العقد الوطني السوري
وهذه النقطة قد تكون الأهم في قراءتنا. إذا استطاع «مسد» أن يقول: نريد حقوق الكورد ، لكننا لا نريد سوريا كردية. نريد اللامركزية، لكننا لا نريد تقسيم سوريا. نريد إدارة محلية قوية، لكننا نريد دولة سورية واحدة. نريد ضمانات دستورية، لا حماية خارجية. نريد المشاركة في صناعة القرار، لا الانفصال عنه. عندها فإن التجربة تنتقل من مشروع مكوّن إلى مشروع وطني. وبالمقابل، على دمشق أن تدرك أن دمج قسد لا يعني ابتلاع المنطقة وإعادة إنتاج المركزية؛ فالدمج الناجح هو دمج في دولة جديدة، لا عودة إلى دولة قديمة. وهذا هو الاختبار الحقيقي.
” في مئوية القامشلي” كانت لحظة إسدال الستار على مرحلة تاريخية، لكنه يمكن أن يُقرأ بعمق أكبر: انتهت قسد بوصفها ظاهرة عسكرية نشأت من الحرب، لكن القضية التي كشفت عنها الحرب لم تنتهِ. والتحدي الآن أن تتحول تجربة السنوات الماضية من جغرافيا نفوذ إلى فكرة سياسية، ومن سلاح إلى دستور، ومن إدارة أمر واقع إلى لامركزية قانونية، ومن حماية خارجية إلى عقد وطني سوري. وهنا يصبح عنواننا أكثر دلالة: “قسد: نهاية مشوار وبداية طريق”. نهاية مشوار السلاح والحرب والإدارة المنفصلة، وبداية طريق أصعب بكثير: المشاركة في بناء دولة سورية موحدة، ديمقراطية، لامركزية، تعترف بتنوعها ولا تخاف منه. وهذه ليست منّة على الكورد ، ولا تنازلاً من دمشق؛ بل هي الحاجة السورية نفسها بعد سقوط الدولة المركزية القديمة.
وإذا نجح «مسد» في نقل تجربته من الدفاع عن خصوصية منطقة إلى الدفاع عن دولة مواطنين تتسع لكل مناطقها ومكوناتها، فقد تكون المفارقة التاريخية أن التجربة التي خشي منها كثيرون باعتبارها تهديداً لوحدة سوريا، تصبح إحدى الأدوات التي تساعد على إعادة بناء وحدة سورية جديدة على أساس المشاركة لا الإكراه.
وهذا هو، في تقديري، المعنى الأعمق الذي يمكن أن نخرج به «في مئوية القامشلي» القامشلي لا تودع قسد؛ بل تفتح سؤال سوريا التي ستأتي بعدها.
