حسن محمد علي
عندما تقع الأخطاء بشكل علني، وتصبح موضع نقاش مفتوح بين النخب والشارع على حد سواء، لا تعود المشكلة في غياب المعرفة بها، بل في العجز عن امتلاك الجرأة للاعتراف بها. وهنا تتجلى مفارقة عميقة: الجميع يرى، الجميع يناقش، لكن لحظة الإعلان تبقى مؤجلة، وكأن الاعتراف عبء لا يُحتمل، أو مخاطرة يجب تجنبها بأي ثمن.
هذا السلوك لا يمكن قراءته فقط كخيار فردي أو سياسي، بل هو انعكاس لبنية ثقافية مترسخة، ترى في الخطأ وصمة، وفي الاعتراف به تهديدًا للهيبة والمكانة. فيتحول الصمت إلى وسيلة دفاع، والتبرير إلى غطاء، والالتفاف إلى ممارسة معتادة، في محاولة لحماية الذات من المساءلة. غير أن هذا النمط، مهما بدا آمنًا على المدى القصير، يحمل في طياته كلفة عالية على المدى البعيد، إذ يضعف الثقة، ويعمّق الفجوة بين الخطاب والواقع، ويؤسس لبيئة تتراكم فيها الأخطاء بدل أن تُصحّح.
إن الخوف من الاعتراف لا يعكس قوة، بل يكشف عن هشاشة في البنية السياسية والثقافية، وعن غياب الضمانات التي تشجع على التعبير الحر وتحميه. ففي بيئة لا تتوافر فيها شروط الأمان للمساءلة العادلة، يصبح الاعتراف مغامرة، ويغدو الصمت خيارًا عقلانيًا وإن كان مكلفًا.
لكن المجتمعات التي تسعى للنهوض لا يمكن أن تستمر في هذا التوازن الهش. فالتحول الحقيقي يبدأ من كسر هذه الحلقة المغلقة، ومن إعادة تعريف الاعتراف بالخطأ بوصفه فعلًا مسؤولًا، لا انكسارًا؛ وشجاعةً، لا ضعفًا. الاعتراف هو المدخل الطبيعي للإصلاح، وهو اللغة التي تبني الثقة، وهو الشرط الأول لأي مراجعة جادة أو تصحيح فعلي.
إن ما نحتاجه ليس فقط الدعوة إلى الاعتراف، بل بناء منظومة تحميه وتكافئه: ثقافة ترى في النقد قوة، وفي الشفافية قيمة، وفي المساءلة أداة تصحيح لا أداة انتقام. وعلى النخب، بوصفها الحاملة للمسؤولية، أن تبادر إلى هذا التحول، لا بالكلام فحسب، بل بالممارسة—أن تعترف حين تخطئ، وأن تصحح حين تنحرف، وأن تقدم نموذجًا مختلفًا يُحتذى.
في النهاية، ليست المشكلة في وقوع الخطأ – فهو جزء من أي تجربة إنسانية أو سياسية- بل في الإصرار على تجاهله. فالأمم لا تُقاس بمدى خلوها من الأخطاء، بل بقدرتها على مواجهتها. وبين الصمت والاعتراف، يتحدد شكل المستقبل: إما إعادة إنتاج الأزمات، أو فتح باب حقيقي نحو التغيير.
