سامان سعيد
مرّةً أخرى، حزبٌ كرديٌّ آخر على وشك الانشقاق؛ حزب يكيتي الكوردستاني، وذلك بعد مرور أشهر على انشقاق الحزب التقدمي. وهما حزبان خسرا ثقلهما السياسي سابقًا بسبب انشقاقاتٍ كانت قد أصابتهما قبل سنوات. واليوم، يأتي هذا في ظلّ الضعف الذي أصاب الدور السياسي الذي كان يلعبه التقدمي كحزبٍ وسطيّ بين خطابين سياسيين متخاصمين: “المجلس الوطني الكوردي” و”حركة المجتمع الديمقراطي”.
كان حزب يكيتي الكوردستاني قد شهد انشقاق تيارٍ سياسيٍّ تزعّمه المناضل الكوردي حسن صالح، وخسر حينها الطرفان نخبًا سياسيةً لم تنضمّ إلى أيٍّ منهما، بل آثرت عدم المشاركة في مشهدٍ لا يحاكي طموحاتها النضالية الكوردية، مثل خورشيد عليكا ومحمد خير بنكو وغيرهما.
والآن، ثمّة مخاضٌ لانشقاقٍ جديد، يتمثّل طرفاه بإبراهيم برو من جهة، وسليمان أوسو من جهة أخرى. فالأول لطالما اتهم الثاني بالمهادنة للسلطة الحاكمة، حتى إنّهم كانوا يوصفون بـ”الآبوجيين” نظرًا لدعمهم خيار الوحدة الكوردية. في المقابل، كان الثاني يصارع الضغوط التي كان يفرضها عليه الطرف الأول، ويستنجد بإقليم كوردستان بين حينٍ وآخر للخروج من هذا الضغط. كما يُتَّهم إبراهيم برو بالانسجام مع الرؤية التركية لحلّ القضية الكوردية في سوريا، وحلّ مجمل المسائل المتعلقة بالواقع الكوردي فيها، وعلى رأسها مسألة الصراع الكوردي-التركي. وقد بدا ذلك خلال لقاءٍ متلفز على شاشة “روداو” أثناء الهجمات التركية على سري كانيه عام 2019، حين اعتبر أن تلك الهجمات موجّهة فقط ضد عناصر حزب العمال الكوردستاني.
الخلاف بين الطرفين، وفق رواية إبراهيم برو، هو حالةٌ تنظيمية تتمثّل –بحسب بيانٍ نشره على صفحته– في أنّ السكرتير الحالي ينتهك النظام الداخلي للحزب، ويضع العراقيل أمام انعقاد المؤتمر العاشر، الذي سيؤدي –بحسب النظام الداخلي– إلى خسارة أوسو منصب السكرتارية، إذ يقرّ النظام ببقاء السكرتير لدورتين فقط.
في حين يرى أوسو، ووفق بيانٍ نشره على صفحته أيضًا، أنّ هناك محاولاتٍ لتشويه سمعته، والادعاء بأنّه يتمسّك بالرئاسة، مؤكدًا أنّه لا يعارض انعقاد المؤتمر، وإنما تُبذل جهودٌ من اللجنة المركزية لتهيئة الظروف المناسبة لعقده.
ويتداول الشارع السياسي المتابع لحزب يكيتي، وكذلك بعض أنصاره المنتقدين لسياسات إبراهيم برو، أنّ الأخير هو السبب الرئيس في مجمل المشاكل التي حلّت بالحزب منذ انشقاق عبد الباقي يوسف، وصولًا إلى الانشقاق الأخير، بدافع سعيه إلى فرض خطابٍ سياسيٍّ منسجم مع الرؤية التركية، ولا سيّما في موقفه الرافض لأيّ صيغةٍ سياسيةٍ تشاركية مع حزب الاتحاد الديمقراطي. لكن يبقى السؤال: إذا كانت المشكلة تكمن في إبراهيم برو وما يفرضه، فلماذا لا تلتقي التيارات الأخرى (عبد الباقي يوسف، سليمان أوسو، حسن صالح) لتشكّل من جديد حزبًا سياسيًا قادرًا على استعادة الدور السياسي والنضالي؟
إنّ أزمة حزب يكيتي تمثّل صورةً مصغّرة عمّا عايشته الأحزاب السياسية الكوردية خلال عقود، من عجزٍ عن إنتاج فكرٍ سياسي، وعجزٍ عن ابتكار أدواتٍ نضالية تحقق من خلالها حضورها وتمارس كينونتها السياسية. وهذا العجز يجعل فكرة الحزب أو التنظيم السياسي غير قابلةٍ للتحقق، فتواجه هذه الجماعات السياسية خطر التهدم الداخلي عند أيّ منعطفٍ أو استحقاق.
إنّ استمرار حالة التشتت الكوردي، بدلًا من التحضير للاستحقاقات السياسية الجديدة، ولا سيّما مع إمكانية لعب الكورد دورًا بعد زوال الحظر السياسي من قبل دمشق نتيجة الاتفاقات التي جرت بين “قسد” والحكومة السورية الانتقالية، يُعدّ أخطر بكثير من سياسات التعريب والتتريك والتفريس.
ومؤسفٌ ما يحدث؛ فبدلًا من أن تراجع القوى الكوردية سياساتها، وتعمل على إنشاء كياناتٍ قويةٍ قادرةٍ على الاضطلاع بدورٍ على المستوى الوطني السوري، نجدها مقبلةً على انقساماتٍ جديدة. فمنذ الآن، لا كوردستان سوريا ولا الإدارة الذاتية يمكن أن تعيش بمعزلٍ عن الوضع السوري العام. وأقصى ما يمكن أن يحققه الكورد هو ما قد يحققونه موحّدين، وأيّ خطابٍ يخالف ذلك ليس إلا سعيًا لتحقيق مصلحةٍ ضيّقة.
