دكتور خالد جبر
في خضم الحرب بين إيران والتحالف الأمريكي الاسرائيلي من الناحية العسكرية ، يبرز التحدي المزدوج: فبينما يعلم الجميع بأن السياسات الإيرانية، داخليًا وخارجيًا، كانت كارثية و مدمرة لشعبها ومكوناته الاجتماعية والاقتصادية، فإن ذلك لا يمنح أي طرف، مهما بلغت قوته، الحق في استهداف حضارة هذا الشعب أو التلويح بمحو إرثه التاريخي.
إيران اليوم، على الرغم من سياساتها الداخلية والخارجية المتشددة، تمثل أكثر من مجرد نظام سياسي. فهي تراكم تاريخي يمتد آلاف السنين، يشمل الأدب والفن والعلوم والفلسفة، ويشكل جزءًا لا يتجزأ من التراث الإنساني. تهديد الولايات المتحدة بتدمير حضارة إيران، على سبيل المثال، ليس مجرد خطاب سياسي حاد، بل يشكل اختراقًا لمبادئ أخلاقية وقانونية أساسية، لأن الحضارة ليست ملكًا لحكومة بعينها، بل ملك للبشرية جمعاء.
إن حقيقة أن إيران أساءت لشعبها عبر سياسات كارثية لا تقلل من قيمة هذا الإرث الحضاري، ولا تحول التهديد الخارجي إلى أمر مشروع. فالشعوب ليست حكوماتها، والتاريخ ليس انعكاسًا للقرارات السياسية الحالية. ومن هنا، فإن أي حرب أو مواجهة، مهما كانت مبرراتها، يجب أن تظل ضمن حدودها العسكرية والسياسية، دون أن تمتد إلى مساس الثقافة أو الهوية الإنسانية.
لقد علمتنا التجارب أن الحروب لا تدمر فقط البنى التحتية، بل تخلف ندوبًا في ذاكرة الشعوب وهويتها. لذلك، الدفاع عن الحضارات، حتى في أوقات الحرب، هو دفاع عن الإنسان ذاته وعن ما يشكل جوهر الإنسانية المشتركة.
في نهاية المطاف، يمكن النقد السياسي والاجتماعي، ويمكن مساءلة أي حكومة عن سياساتها المدمرة، لكن لا يمكن أبدًا تبرير تهديد الحضارة أو المساس بتاريخ وهوية الشعوب. فهذا التمييز بين الحكومة والشعب، بين السياسة والحضارة، هو ما يحفظ الإنسانية من الانحدار إلى العنف المدمر.
