بقلم الصحفية : هورين حسن
لم تكن مشاركة الجنرال، مظلوم عبدي في “منتدى ميري” 2026 بالعاصمة أربيل مجرد حدث سياسي اعتيادي، بل كانت إعلاناً رسمياً عن ولادة مرحلة تاريخية جديدة، وتدشيناً لعهد “سوريا الديمقراطية التعددية” التي طال انتظارها، تحت عنوان “الكورد في سوريا والدولة الجديدة.. من الإدارة الذاتية إلى الاندماج والحقوق السياسية”.
قدم الجنرال رؤية استراتيجية متكاملة لا تنطلق من موقع التوجس، بل من موقع القوة والمسؤولية الوطنية، واضعاً خارطة طريق واضحة لصياغة عقد اجتماعي ودستوري جديد، ينهي عقوداً من التهميش المركزي.
فك المركزية وبناء الثقة
في مستهل حديثه، أعلن الجنرال عبدي بوضوح أن سوريا دخلت مرحلة تاريخية جديدة، تتطلب تجاوز إرث “نظام البعث” المركزي بشكل كامل.
ومع ذلك، لم يخلُ طرحه من واقعية سياسية واثقة؛ إذ أشار بصراحة إلى أن مستوى تمثيل الكورد في الوزارات والإدارة المركزية السورية بدمشق، لايزال ضئيلاً جداً ويعكس رغبة في شراكة أعمق وأشمل.
لا يمكن أن يتحقق بناء الثقة عبر ترضيات مؤقتة، بل عبر شراكة حقيقية كاملة تعكس الثقل الديموغرافي والجغرافي على الأرض.
الاندماج والخصوصية المحلية
أعلن الجنرال عبدي عن استمرار عملية إدماج القوات العسكرية والأمنية، ضمن هيكلية الدولة الرسمية لوزارتي الدفاع والداخلية منذ تسعة أشهر كاملة، واصفاً هذا الحدث بأنه الأبرز والأكثر مدعاة للتفاؤل .
ويؤسس هذا الإنجاز السيادي والتاريخي لجيش وطني سوري جديد يحمي كل المكونات، ولا يُعد مجرد تفاهم تقني عابر.
ينبع التفاؤل هنا من وجود إرادة ملموسة وجاهزية كاملة من الدولة السورية، برئاسة أحمد الشرع وبدعم دولي واسع لإنجاح هذا المسار.
والأهم من ذلك، يثبّت هذا الاندماج لأول مرة مفهوم اللامركزية العسكرية؛ حيث جزم عبدي بأن القوات لن تخضع للنموذج المركزي القديم، بل ستُحفظ الخصوصية المحلية لروج آفا ومناطقها التاريخية(كالجزيرة، كوباني، وعفرين)، مما يضمن عدم تكرار أخطاء الماضي ويجعل من أبناء المنطقة حراساً حقيقيين لأمنهم.
الحقوق اللغوية والدستور
ينتقل الجنرال عبدي بالملف الكوردي من حيز المطالب المؤقتة إلى فضاء النضال الدستوري المستدام.
وعلى الرغم من وجود عقبات طبيعية وتفصيلية في أي مرحلة انتقالية حول المناهج والمنظومة التعليمية، إلا أن المسار العام يسير بثبات نحو الاعتراف الرسمي والتاريخي باللغة الكوردية ومناهجها إلى جانب اللغة العربية ضمن المنظومة التربوية العامة للدولة.
يُعد إصرار القيادة على استمرار التدريس باللغة الكوردية في الجامعات المحلية للخمس سنوات المقبلة، دليلاً ناصعاً على القوة التفاوضية والقدرة على فرض واقع ثقافي جديد يعيد الاعتبار للهوية الكوردية، كشريك أصيل ومؤسس في الدولة السورية الجديدة، وهو أمر يُطبّق عملياً على الأرض بدعم تشريعي جارٍ صياغته.
توحيد البيت الكوردي
وجه عبدي، في لفتة بالغة الأهمية، نداءً تصالحياً جامعاً لكافة القوى والأحزاب الكوردية لتوحيد الصفوف وتشكيل وفد مفاوض مكتمل.
تنطلق هذه الدعوة من رؤية ديمقراطية تؤمن بأن المكاسب السياسية والعسكرية المحققة في روج آفا وشمال وشرق سوريا، هي ملك لعموم الشعب الكوردي والسوري، وليست حكراً على فصيل واحد، مما يفتح الباب لإنهاء الانقسامات الداخلية والذهاب إلى دمشق بوفد موحد لا يمكن تجاوزه.
أربيل.. السند والعمق
جاءت إشادة عبدي بإقليم كوردستان العراق في هذا السياق لتؤكد على العمق الاستراتيجي والأخوي للقضية.
يمثل احتضان القيادة الكوردستانية العراقية لمنصات حوارية وازنة مثل “منتدى ميري” ودعمها المستمر رافعة ديبلوماسية كبرى، تعزز من فرص السلام الإقليمي، وتدفع باتجاه خفض التصعيد في الجوار، وتضمن لكورد سوريا سنداً قوياً في صياغة مستقبلهم الدستوري.
عهد ديمقراطي جديد
تثبت أطروحات الجنرال، مظلوم عبدي في “منتدى ميري” أن قطار سوريا الجديدة قد انطلق بالفعل على سكة اللامركزية والشراكة الديمقراطية.
وتشكل العقبات والتفاصيل العالقة مع دمشق، جزءاً طبيعياً من ديناميكية التفاوض بين شركاء يبتكرون نموذجاً سياسياً جديداً للمنطقة بأسرها.
وتؤكد المؤشرات على الأرض من اندماج عسكري مستمر واعتراف لغوي متصاعد، أن المستقبل يتسع لجميع السوريين، وأن الحقوق الكوردية في طريقها للتثبيت الدستوري النهائي، كحجر زاوية لاستقرار سوريا واستقرار المنطقة برمتها.
