بقلم الشاعر : زوراب عزير
كَيَدٍ تُطعِمُ فَمَ جائِعٍ
كقَمَرٍ خَرَجَ مِن غَيْمَةٍ
كعُكّازٍ وَجَدَ ساقًا تَسيرُ بِهِ
كنافِذَةٍ تَفتَحُ بَعدَ أَعوامٍ مِنَ العَتَمَةِ
كالنَّهْرِ الَّذي تاهَ ثُمَّ وَجَدَ صَوتَهُ بَيْنَ الصُّخورِ
كطِفلٍ اكتَشَفَ أَنَّ قَلبَهُ ما زالَ قادِرًا عَلَى الضَّحِكِ
كحَرفٍ نَجا مِنَ الحَرقِ وَعادَ لِيَكتُبَ نَفسَهُ مِن جَديدٍ
أنا حَزينٌ …
كجائِعٍ لا يَدَ تُطعِمُهُ
كَظِلٍّ فَقَدَ جَسَدَهُ عِندَ الغُروبِ
كَعينٍ تُبصِرُ النُّورَ وَلا تَجِدُ ما تُبصِرُهُ
كَصَوتٍ انكَسَرَ في مُنتَصَفِ الدُّعاءِ
كَأُمٍّ تَنتَظِرُ الغائِبَ وَلا تَمَلُّ الانتِظارَ
كَشَجَرَةٍ تُعانِقُ الرِّيحَ لأَنَّها لَم تَعُد تَملِكُ ثَمَرَةً
كَحُلمٍ يَعتَذِرُ لأَنَّهُ تَأَخَّرَ عَلَى صاحِبِهِ
أَخافُ ما بَعدَ الفَرَحِ
كُلُّ ضِحكَةٍ تُخبِّئُ جِنازَةً
كُلُّ عِناقٍ يُوَدِّعُ العالَمَ بِصَمتٍ
كُلُّ لَحظَةِ دِفءٍ تَزرَعُ في القَلبِ بَذرَةَ بَردٍ
الفَرَحُ لا يَبقَى …
يَتَسَلَّلُ مِثلَ لِصٍّ إِلى رُوحي ثُمَّ يَرحَلُ
يَترُكني أَتَحَسَّسُ مَكاني في العَتَمَةِ
كَأَنَّني لَم أَكُن يَومًا سِوايَ
أَخافُ الفَرَحَ ..
لِأَنَّهُ يُضيءُ وَجهي كَي أَرى سَوادي
لِأَنَّهُ يُشبِهُ المَطَرَ
حينَ يُروي الأَرضَ لَحظَةً
ثُمَّ يَرحَلُ وَيَترُكُ الوَحلَ يَتَكَلَّمُ بِاسمِهِ
الفَرَحُ خَفيفٌ كجَناحٍ
لَكِنَّ سُقوطَهُ مُؤلِمٌ كَذاكِرَةٍ لا تَموتُ
أَخافُ الحُزنَ ..
لِأَنَّهُ لا يَطرُقُ البَابَ
يَدخُلُ مِنَ النَّوافِذِ المَفتوحَةِ في صَدري
يَجلِسُ بِثِقلٍ عَلَى كَتفي كَأَنَّهُ يَعرِفُ مَكاني مُنذُ البَدءِ
يُرَبِّتُ عَلَى كَتِفي كُلَّما حاوَلتُ أَن أَنهَضَ
يُعيدُني إِلى الوُجوهِ الَّتي نَسيتُها
إِلى الأَصواتِ الَّتي دَفَنتُها بِيَدي
يَفتَحُ لي بابَ الذّاكرَةِ كُلَّ لَيلَةٍ
كَأَنَّهُ صَلاةٌ لِشَيءٍ لَن يَعودَ
يُعَلِّمُني كَيفَ أَبتَسِمُ وَأَنا أَنكسِرُ
كَيفَ أَبدو قَويًّا وَأَنا أَذوبُ بِبُطءٍ
أَهرُبُ مِنهُ فَيَتبَعُني
أَنامُ في حِضنِهِ حينَ يَخذُلُني الجَميعُ
أُحاوِرُهُ حَتّى يَنامَ
ثُمَّ أَكتَشِفُ أَنَّهُ لَم يَنَمْ
بَل كُنتُ أَنا الحُلمَ الَّذي ابتَلَعَهُ كَي لا يَرحَلَ
كُلُّ فَرحَةٍ صَغيرَةٍ تَتَسَلَّلُ بَينَ يَدَيهِ
تُصبِحُ ذِكرى ثَقيلَةً عَلَى القَلبِ
كُلُّ ضَوءٍ يَمُرُّ بي
يُخلِّفُ ظِلًّا أَطوَلَ مِنِّي
كُلُّ حُبٍّ جَديدٍ
يُولَدُ مِن رَحِمِ فَقدٍ قَديمٍ
أنا سَعِيد ..
حينَ أُعطي
وَحَزينٌ حينَ أَحتاجُ
أنا امتِلاءُ النَّقصِ
وَنَقصُ الامتِلاءِ
أنا مَن يَضحَكُ كَي لا يَبكي
وَيَبكي كَي لا يَنسى
أنا الَّذي يَكتُبُ لِأَنَّ الصَّمتَ أوجَعَهُ
وَيَصمُتُ لِأَنَّ الكِتابَةَ لَم تَعُد تُشفِيهِ
كُلُّ طَريقٍ يَؤدِّي نِهايَةً إِلى نَفسِي
حَيثُ يَجلِسُ الحُزنُ كَضَيفٍ قَديمٍ لا يُفَكِّرُ بِالرَّحيلِ
وأنا خائِفٌ كخروفٍ بين يدي جزّار
أَخافُ مِنَ الحُزنِ
الحُزنُ سَيِّدُ النِّهايَاتِ
